الأحد، 1 مايو 2022

كتاب : نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية

كتاب : نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية
نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته
وسئلت هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده
فقلت هذا سؤال عظيم القدر وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة واختلطت بدمه ولحمه وصار له فيها ملكة واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهديه فيما يأمر به وينهى عنه ويخبر عنه ويدعو إليه ويحبه ويكرهه ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه و سلم كواحد من أصحابه الكرام فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول صلى الله عليه و سلم وهديه وكلامه وأقواله وأفعاله وما يجوز أن يخبر عنه وما لا يجوز ما لا يعرف غيره وهذا شأن

كل متبع مع متبوعه فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ما ليس لمن لا يكون كذلك وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون من أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم وأساليبهم ومشاربهم ما لا يعرفه غيرهم والله أعلم
1 - فمن ذلك ما روى جعفر بن جسر عن أبيه عن ثابت عن أنس يرفعه من قال سبحان الله وبحمده غرس الله له الف ألف نخلة في الجنة أصلها من ذهب وجعفر هذا هو جعفر بن جسر بن فرقد أبو سليمان القصار البصري قال ابن عدي أحاديثه مناكير وقال الأزدي يتكلمون فيه وأما أبوه فقال يحيى بن معين لا شيء ولا يكتب حديثه وقال النسائي والدارقطني ضعيف وقال ابن حبان خرج من حد العدالة وقال ابن عدي عامة أحاديثه غير محفوظة
2 - ومن ذلك ما رواه ابن مندة وغيره من حديث أحمد بن عبد الله الجويباري الكذاب عن شقيق عن إبراهيم بن أدهم عن

يزيد بن أبي زياد عن أويس القرني عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهم عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من دعا بهذه الأسماء اللهم أنت حي لا تموت وغالب لا تغلب وبصير لا ترتاب وسميع لا تشك وصادق لا تكذب وصمد لا تطعم وعالم لا تعلم إلى أن قال فوالذي بعثني بالحق لو دعي بهذه الدعوات على صفائح الحديد لذابت وعلى ماء جار لسكن ومن دعا عند منامه بها بعث بكل حرف منها سبع مئة ألف ملك يسبحون له ويستغفرون له وتابعه كذاب آخر وهو الحسين بن داود البلخي عن شقيق وروى جملة منه كذاب آخر هو سليمان بن عيسى عن الثوري عن إبراهيم بن أدهم
وهذا وأمثاله مما لا يرتاب من له أدنى معرفة بالرسول صلى الله عليه و سلم وكلامه أنه موضوع مختلق وإفك مفترى عليه
3 - ومن ذلك ما رواه عباس بن الضحاك البلخي كذاب أشر عن عمر بن الضحاك مجهول لا يعرف عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم من كتب بسم الله الرحمن الرحيم ولم يقم الهاء التي في الله تعالى كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة

4 - ومن ذلك ما رواه أبو العلاء عن نافع عن ابن عمر يرفعه من كفن ميتا فإن له بكل شعرة تصيب كفنه عشر حسنات وأبو العلاء هذا يروي عن نافع ما ليس من حديثه ولا يجوز الاحتجاج به وهذا الحديث قد رواه الحسن بن سفيان حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا أحمد بن الحجاج حدثنا أبو العلاء به قال الدارقطني يقال إن أبا العلاء هذا هو الخفاف الكوفي واسمه خالد بن طهمان انتهى قال يحيى بن معين هو ضعيف خلط قبل موته بعشر سنين وكان قبل ذلك ثقة وكان في تخليطه يحمل كل ما جاؤوه به ويقرأه
5 - ومن ذلك حديث يرويه محمد بن عبدالرحمن بن البيلماني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم من صام صبيحة يوم الفطر فكأنما صام الدهر كله وهذا حديث باطل موضوع على رسول الله صلى الله عليه و سلم وابن البيلماني يروي المناكير قال البخاري وأبو حاتم الرازي والنسائي هو منكر الحديث وقال يحيى بن معين ليس بشيء وقال الدار قطني والحميدي ضعيف وقال ابن حبان ويحيى حدث عن أبيه بنسخة سرد فيها ثمانين حديثا كلها موضوعة لا يجوز الاحتجاج به ولا ذكره إلا على وجه التعجب

6 - ومن ذلك حديث من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنة وهذا باطل يرويه حبيب بن أبي حبيب عن إبراهيم الصائغ عن ميمون بن مهران عن ابن عباس وحبيب هذا غير حبيب كان يضع الحديث
7 - ومن ذلك حديث يرويه زكريا بن دويد الكندي الكذاب الأشر عن حميد الطويل عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلا من علة كنت أنا وهو في الجنة في زورق من نور في بحر من نور حتى نزور رب العالمين
8 - ومن ذلك حديث يرويه عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بشيء عدلن له عبادة اثنتي عشرة سنة وعمر هذا قال فيه الإمام أحمد ويحيى بن معين والدارقطني ضعيف وقال أحمد أيضا لا يساوي حديثه شيئا وقال البخاري منكر الحديث وضعفه جدا وقال ابن حبان

لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه فإنه يضع الحديث على مالك وابن أبي ذئب وغيرهما من الثقات
9 - ومن ذلك حديث من صلى يوم الأحد أربع ركعات بتسليمة واحدة يقرأ في كل ركعة الحمد و آمن الرسول إلى آخرها البقرة 285 286 كتب الله له ألف حجة وألف عمرة وألف غزوة وبكل ركعة ألف صلاة وجعل بينه وبين النار ألف خندق فقبح الله واضعه ما أجرأه على الله ورسوله
10 - ومن ذلك حديث من صلى ليلة الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة و قل هو الله أحد خمسة عشر مرة أعطاه الله يوم القيامة ثواب من قرأ القرآن عشر مرات وعمل بما في القرآن ويخرج يوم القيامة من قبره ووجهه مثل القمر ليلة البدر ويعطيه الله بكل ركعة ألف مدينة من لؤلؤ في كل مدينة ألف قصر من زبرجد في كل قصر ألف دار من الياقوت في كل دار ألف بيت من المسك في كل بيت ألف سرير واستمر هذا الكذاب الأشر على الألف
11 - ومن ذلك حديث من صلى ليلة الاثنين ست ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وعشرين مرة قل هو الله

أحد ويستغفر الله بعد ذلك عشر مرات أعطاه الله يوم القيامة ثواب ألف صديق وألف عابد وألف زاهد فقبح الله واضعه ومختلقه على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو من عمل الجويباري الخبيث
12 - ومن ذلك حديث من صلى ليلة الاثنين أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة و آية الكرسي مرة و قل هو الله أحد مرة و قل أعوذ برب الفلق مرة و قل أعوذ برب الناس مرة كفرت ذنوبه كلها وأعطاه الله قصرا في الجنة من درة بيضاء في جوف القصر سبعة أبيات طول كل بيت ثلاثة آلاف ذراع وعرضه مثل ذلك واستمر هذا الكذاب الخبيث على ذلك في حديث طويل فيه من هذه المجازفات وهو من عمل الحسين بن إبراهيم كذاب دجال يروي عن محمد بن طاهر ووضع من هذا الضرب أحاديث صلاة يوم الأحد وليلة الأحد وصلاة يوم الاثنين وليلة الاثنين ويوم الثلاثاء وليلة الثلاثاء وهكذا في سائر أيام الأسبوع ولياليه
وهذا باب واسع جدا وإنما ذكرنا منه جزءا يسيرا لتعرف به أن هذه الأحاديث وأمثالها مما فيه هذه المجازفات القبيحة الباردة كلها كذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد اعتنى بها كثير من الجهال بالحديث من المنتسبين إلى الزهد والفقر وكثير من المنتسبين إلى الفقه

والأحاديث الموضوعة عليها ظلمة وركاكة ومجازفات باردة تنادى على وضعها واختلاقها على رسول الله صلى الله عليه و سلم
13 - مثل حديث من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبيا وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صلى عمر نوح عليه السلام لم يعط ثواب نبي واحد
14 - وكقوله من اغتسل يوم الجمعة بنية وخشية كتب الله له بكل شعرة نورا يوم القيامة ورفع الله له بكل قطرة درجة في الجنة من در وياقوت وزبرجد ما بين كل درجتين مسيرة مئة عام ومر في حديث طويل قبح الله واضعه فهو من عمل عمر بن صبح الكذاب الخبيث

فصل أمور كلية لمعرفة كون الحديث موضوعا منها المجازفات في الوعد والوعيد
ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعا
فمنها اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي كثيرة جدا
15 - كقوله في الحديث المكذوب من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرا له سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له
ومن فعل كذا وكذا أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة في كل مدينة سبعين ألف قصر في كل قصر سبعين ألف حوراء
وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين
إما أن يكون في غاية الجهل والحمق
وإما أن يكون زنديقا قصد التنقيص برسول الله صلى الله عليه و سلم بإضافة مثل هذه الكلمات إليه
فصل تكذيب الحس للحديث الموضوع
ومنها تكذيب الحس له
16 - كحديث الباذنجان لما أكل له
17 - والباذنجان شفاء من كل داء
قبح الله واضعهما فإن هذا لو قاله بعض جهلة الأطباء لسخر الناس منه ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدة ولو أكله فقير ليستغني لم يفده غنى أو جاهل ليتعلم لم يفده العلم
18 - وكذلك حديث إذا عطس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقة وهذا وإن صحح بعض الناس سنده فالحس

يشهد بوضعه لأن نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله ولو عطس مئة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي صلى الله عليه و سلم لم يحكم بصحته بالعطاس ولو عطسوا عند شهادة رجل لم يحكم بصدقه
19 - وكذلك حديث عليكم بالعدس فإنه مبارك يرقق القلب ويكثر الدمعة قدس فيه سبعون نبيا وقد سئل عبدالله بن المبارك عن هذا الحديث وقيل له إنه يروى عنك فقال وعني ما أرفع شيئا في العدس إنه شهوة اليهود ولو قدس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء فكيف بسبعين نبيا وقد سماه الله أدنى البقرة 61 وذم من اختاره على المن والسلوى وجعله قرين الثوم والبصل أفترى أنبياء بني إسرائيل قدسوا فيه لهذه العلة والمضار التي فيه من تهييج السوداء والنفخ والرياح الغليظة وضيق النفس والدم الفاسد وغير ذلك من المضار المحسوسة
ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الذين اختاروه على المن والسلوى وأشباههم

20 - وكذلك حديث إن الله خلق السموات والأرض يوم عاشوراء
21 - وكذلك حديث اشربوا على الطعام تشبعوا فإن الشرب على الطعام يفسده ويمنع من استقراره في المعدة ومن كمال نضجه
22 - وكذلك حديث أكذب الناس الصباغون والصواغون فالحس يرد هذا الحديث فإن الكذب في غيرهم أضعافه فيهم كالرافضة فإنهم أكذب خلق الله والكهان والطرقية والمنجمين وقد تأوله بعضهم على أن المراد بالصباغ الذي يزيد في الحديث ألفاظا تزينه والصواغ الذي يصوغ الحديث ليس له أصل وهذا تكلف بارد لتأويل حديث باطل

فصل سماجة الحديث تدل على وضعه
ومنها سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه
23 - كحديث لو كان الأرز رجلا لكان حليما ما أكله جائع إلا أشبعه فهذا من السمج البارد الذي يصان عنه كلام العقلاء فضلا عن كلام سيد الأنبياء
24 - وحديث الجوز دواء والجبن داء فإذا صار في الجوف صار شفاء فلعن الله واضعه على رسول الله صلى الله عليه و سلم
25 - وحديث لو يعلم الناس ما في الحلبة لاشتروها بوزنها ذهبا
26 - وحديث أحضروا موائدكم البقل فإنه مطردة للشيطان
27 - وحديث ما من ورقة هندباء إلا وعليها قطرة من ماء الجنة
28 - وحديث بئس البقلة الجرجير من أكل منها ليلا بات ونفسه تنازعه ويضرب عرق الجذام في أنفه كلوها نهارا وكفوا عنها ليلا

29 - وحديث فضل دهن البنفسج على الأدهان كفضل أهل البيت على سائر الخلق
30 - وحديث فضل الكراث على سائر البقول كفضل البر على الحبوب
31 - وحديث الكمأة والكرفس طعام إلياس واليسع
32 - وحديث إن للقلب فرحة عند أكل اللحم
33 - وحديث ما من رمان إلا ويلقح بحبة من رمان الجنة
34 - وحديث ربيع أمتي العنب والبطيخ
35 - وحديث عليكم بمداومة أكل العنب مع الخبز
36 - وحديث عليكم بالملح فإنه شفاء من سبعين داء
37 - وحديث من أكل فولة بقشرها أخرج الله منه الداء مثلها لعن الله واضعه
38 - وحديث لا تسبوا الديك فإنه صديقي ولو يعلم بنو آدم ما في صوته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب

39 - وحديث من اتخذ ديكا أبيض لم يقربه الشيطان ولا سحر

40 - وحديث إن لله ديكا عنقه مطوية تحت العرش ورجلاه في التخوم وبالجملة فكل أحاديث الديك كذب إلا حديثا واحدا
41 - إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا

فصل مناقضة الحديث الموضوع للسنة الصحيحة
ومنها مناقضة الحديث لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينة فكل حديث يشتمل على فساد أو ظلم أو عيب أو مدح باطل أو ذم حق أو نحو ذلك فرسول الله صلى الله عليه و سلم منه بريء
42 - ومن هذا الباب أحاديث مدح من اسمه محمد وأحمد وأن كل من يسمى بهذه الأسماء لا يدخل النار وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه صلى الله عليه و سلم أن النار لا يجار منها بالأسماء والألقاب وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة
43 - ومن هذا الباب أحاديث كثيرة علقت النجاة من النار بها وأنها لا تمس من فعل ذلك وغايتها أن تكون من صغار الحسنات والمعلوم من دينه صلى الله عليه و سلم خلاف ذلك وأنه إنما ضمن النجاة منها لمن حقق التوحيد
فصل الصحابة بلغوا السنة ولم يكتموا منها شيئا
ومنها أن يدعى على النبي صلى الله عليه و سلم أنه فعل أمرا ظاهرا بمحضر من الصحابة كلهم وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه كما يزعم أكذب الطوائف أنه صلى الله عليه و سلم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمحضر من الصحابة كلهم وهم راجعون من حجة الوداع فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع ثم قال
44 - هذا وصيي وأخي والخليفة من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا ثم اتفق الكل على كتمان ذلك وتغييره ومخالفته فلعنة الله على الكاذبين
45 - وكذلك روايتهم أن الشمس ردت لعلي بعد العصر والناس يشاهدونها ولا يشتهر هذا أعظم اشتهار ولا تعرفه إلا أم سلمة
فصل المعنى الباطل يدل على أن الحديث باطل
ومنها أن يكون الحديث باطلا في نفسه فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه و سلم
46 - كحديث المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش
47 - وحديث إذا غضب الله تعالى أنزل الوحي بالفارسية وإذا رضي أنزله بالعربية
48 - وكحديث ست خصال تورث النسيان أكل سؤر الفأر وإلقاء القمل في النار وهي حية والبول في الماء الراكد وقطع القطار ومضغ العلك وأكل التفاح الحامض
49 - وحديث الحجامة على القفا تورث النسيان
50 - وحديث يا حميراء لا تغتسلي بالماء المشمس فإنه يورث البرص

51 - وكل حديث فيه يا حميراء أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق
52 - مثل يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يورث كذا وكذا
53 - وحديث خذوا شطر دينكم عن الحميراء
54 - وحديث من لم يكن له مال يتصدق به فليلعن اليهود والنصارى فإن اللعنة لا تقوم مقام الصدقة أبدا
55 - وكحديث آليت على نفسي أن لا أدخل النار من كان اسمه أحمد أو محمد
56 - وكحديث من ولد له مولود فسماه محمدا تبركا كان هو والولد في الجنة

57 - وكحديث ما من مسلم دنا من زوجته وهو ينوي إن حبلت منه يسميه محمدا إلا رزقه الله ولدا ذكرا وفي ذلك جزء كله كذب

فصل الحديث الموضوع لا يشبه كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
ومنها أن يكون الحديث لا يشبه كلام الأنبياء فضلا عن كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي هو وحي يوحى كما قال الله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى النجم 4 أي وما نطقه إلا وحي يوحى فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي بل لا يشبه كلام الصحابة
58 - كحديث ثلاثة تزيد في البصر النظر إلى الخضرة والماء الجاري والوجه الحسن وهذا الكلام مما يجل عنه أبو هريرة وابن عباس بل سعيد بن المسيب والحسن بل أحمد ومالك رحمهم الله
59 - وحديث النظر إلى الوجه الحسن يجلو البصر وهذا ونحوه من وضع بعض الزنادقة

60 - وحديث عليكم بالوجوه الملاح والحدق السود فإن الله يستحي أن يعذب مليحا بالنار فلعنة الله على واضعه الخبيث
61 - وحديث النظر إلى الوجه الجميل عبادة
62 - وحديث الزرقة في العين يمن
63 - وحديث إن الله طهر قوما من الذنوب بالصلعة في رؤوسهم وإن عليا لأولهم
64 - وحديث نبات الشعر في الأنف أمان من الجذام وقد سئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال ما من ذا شيء
65 - وحديث من آتاه الله وجها حسنا واسما حسنا

وجعله في موضع غير شائن فهو من صفوة الله في خلقه
66 - وكل حديث فيه ذكر حسان الوجوه أو الثناء عليهم أو الأمر بالنظر إليهم أو التماس الحوائج منهم أو أن النار لا تمسهم فكذب مختلق وإفك مفترى
وفي هذا الباب أحاديث كثيرة وأقرب شيء في الباب
67 - حديث إذا بعثتم إلي بريدا فابعثوه مع حسن الوجه حسن الاسم وفيه عمر بن راشد قال ابن حبان كان يضع الحديث وذكر أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات

فصل أحاديث التواريخ المستقبلة
ومنها أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا
68 - مثل قوله إذا كانت سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت
69 - وكقول الكذاب الأشر إذا انكسف القمر في المحرم كان الغلاء والقتال وشغل السلطان وإذا انكسف في صفر كان كذا وكذا واستمر الكذاب في الشهور كلها وأحاديث هذا الباب كلها كذب مفترى
فصل من علامات الوضع أن يشبه الحديث كلام الأطباء
ومنها أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه وأليق
70 - كحديث الهريسة تشد الظهر
71 - وكحديث أكل السمك يوهن الجسد
72 - وحديث الذي شكى إلى النبي صلى الله عليه و سلم قلة الولد فأمره أن يأكل البيض والبصل
73 - وحديث أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها فأعطيت قوة أربعين رجلا في الجماع
74 - وحديث المؤمن حلو يحب الحلاوة ورواه الكذاب الأشر بلفظ آخر المؤمن حلوي والكافر خمري
75 - وحديث كلوا التمر على الريق فإنه يقتل الدود

76 - وحديث أطعموا نساءكم في نفاسهن التمر
77 - وحديث من لقم أخاه لقمة حلوة صرف الله عنه مرارة الموقف
78 - وحديث من أخذ لقمة من مجرى الغائط والبول فغسلها ثم أكلها غفر له
79 - وحديث النفخ في الطعام يذهب البركة
80 - وحديث إذا طنت أذن أحدكم فليصل علي وليقل

ذكر الله من ذكرني بخير وكل حديث في طنين الأذن فهو كذب

فصل أحاديث العقل كلها كذب
ومنها أحاديث العقل كلها كذب
81 - كقوله لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال ما خلقت خلقا أكرم علي منك بك آخذ وبك أعطي
82 - وحديث لكل شيء معدن ومعدن التقوى قلوب العارفين
83 - وحديث إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والجهاد وما يجزى إلا على قدر عقله

قال الخطيب حدثنا الصوري قال سمعت الحافظ عبد الغني يقول أخبرنا الدارقطني بأن كتاب العقل وضعه أربعة أولهم ميسرة بن عبدربه ثم سرقه منه داود بن المحبر وركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة وسرقه عبدالعزيز بن أبي رجاء فركبه بأسانيد أخر وسرقه سليمان بن عيسى السجزي فأتى بأسانيد أخرى
قلت يريد كتاب العقل للأودي المختلق الكذاب وهو سفر وقال أبو الفتح الأزدي لا يصح في العقل حديث قاله أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم ابن حبان والله أعلم

فصل من الأحاديث الموضوعة أحاديث حياة الخضر عليه السلام
ومنها الأحاديث التي ذكر فيها الخضر وحياته وكلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد
84 - كحديث إن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان في المسجد فسمع كلاما من ورائه فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضر
85 - وحديث يلتقي الخضر وإلياس كل عام
86 - وحديث يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخضر الحديث المفترى الطويل
سئل إبراهيم الحربي عن تعمير الخضر وأنه باق فقال من أحال على غائب لم ينتصف منه وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان

وسئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما أحياء فقال كيف يكون هذا وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم لا يبقى على رأس مئة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد
وسئل عن ذلك كثير غيره من الأئمة فقالوا وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون الأنبياء 34
وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال لو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي النبي صلى الله عليه و سلم ويجاهد بين يديه ويتعلم منه وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم يوم بدر اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم فأين كان الخضر حينئذ
وقد قال أبو الفرج ابن الجوزي والدليل على أن الخضر ليس بباق في الدنيا أربعة أشياء القرآن والسنة وإجماع المحققين من العلماء والمعقول
أما القرآن فقوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد الأنبياء 34 فلو دام الخضر كان خالدا
وأما السنة فذكر حديث أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى على ظهر الأرض ممن هو عليها أحد متفق عليه

وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل موته بقليل ما من نفس منفوسة يأتي عليها مئة سنة وهي يومئذ حية ثم ذكر عن البخاري وعلي بن موسى الرضا أن الخضر مات وأن البخاري سئل عن حياته فقال كيف يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد
قال وممن قال إن الخضر مات إبراهيم بن اسحاق الحربي وأبو الحسين بن المنادي وهما إمامان وكان ابن المنادي يقبح قول من يقول إنه حي
وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب أحمد وذكر عن بعض أهل العلم أنه احتج بأنه لو كان حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقال حدثنا أحمد عن شريح بن النعمان حدثنا هشيم أخبرنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال والذي نفسي بيده لو أن موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني فكيف يكون حيا ولا يصلي مع رسول الله صلى الله عليه و سلم الجمعة والجماعة ويجاهد معه ألا ترى أن عيسى عليه السلام إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف إمام هذه الأمة ولا يتقدم لئلا يكون ذلك خدش في نبوة محمد صلى الله عليه و سلم

قال أبو الفرج وما أبعد فهم من يثبت وجود الخضر وينسى ما في طي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة
أما الدليل من المعقول فمن عشرة أوجه
أحدها أن الذي أثبت حياته يقول إنه ولد آدم لصلبه وهذا فاسد لوجهين
أحدهما أن يكون عمره الآن ستة آلاف سنة فيما ذكر في كتاب يوحنا المؤرخ ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق البشر
والثاني أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من ولد ولده كما زعموا وأنه كان وزير ذي القرنين فإن تلك الخلقة ليست على خلقتنا بل مفرط في الطول والعرض
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال خلق الله آدم طوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعد وما ذكر أحد ممن رأى الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة وهو من أقدم الناس
الوجه الثالث أنه لو كان الخضر قبل نوح لركب معه في السفينة ولم ينقل هذا أحد
الوجه الرابع أنه اتفق العلماء أن نوحا لما نزل من السفينة مات من كان معه ثم مات نسلهم ولم يبق غير نسل نوح

والدليل على هذا قوله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين الصافات 77 وهذا يبطل قول من قال إنه كان قبل نوح
الوجه الخامس أن هذا لو كان صحيحا أن بشرا من بني آدم يعيش من حين يولد إلى آخر الدهر ومولده قبل نوح لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب وكان خبره في القرآن مذكورا في غير موضع لأنه من أعظم آيات الربوبية وقد ذكر الله سبحانه وتعالى من أحياه ألف سنة إلا خمسين عاما وجعله آية فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر
ولهذا قال بعض أهل العلم ما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان
والوجه السادس أن القول بحياة الخضر قول على الله بلا علم وذلك حرام بنص القرآن أما المقدمة الثانية فظاهرة وأما الأولى فإن حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخضر وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه من الوجوه وهؤلاء علماء الأمة هل أجمعوا على حياته
الوجه السابع أن غاية ما يتمسك به من ذهب إلى حياته حكايات منقولة يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر فيالله العجب هل للخضر علامات يعرفه بها من رآه وكثير من هؤلاء يغتر بقوله أنا

الخضر ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله فأين للرائي أن المخبرله صادق لا يكذب
الوجه الثامن أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن ولم يصاحبه وقال له هذا فراق بيني وبينك الكهف 78 فكيف يرضى لنفسه بمفارقته لمثل موسى ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا مجلس علم ولا يعرفون من الشريعة شيئا وكل منهم يقول قال الخضر وجاءني الخضر وأوصاني الخضر فيا عجبا له يفارق كليم الله تعالى ويدور على صحبة الجهال ومن لا يعرف كيف يتوضأ ولا كيف يصلي
الوجه التاسع أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول أنا الخضر لو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول كذا وكذا لم يلتفت إلى قوله ولم يحتج به في الدين إلا أن يقال إنه لم يأت رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا بايعه أو يقول هذا الجاهل إنه لم يرسل إليه وفي هذا من الكفر ما فيه
الوجه العاشر أنه لو كان حيا لكان جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله ومقامه في الصف ساعة وحضور الجمعة والجماعة وتعليم العلم أفضل له بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات وهل هذا إلا من أعظم الطعن عليه والعيب له

فصل الحديث الموضوع تقوم شواهد على بطلانه
ومنها أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه
87 - كحديث عوج بن عنق الطويل الذي قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء فإنهم يجترؤون على هذه الأخبار فإن في

هذا الحديث أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مئة وثلاث وثلاثين وثلثا وأن نوحا لما خوفه الغرق قال له احملني في قصعتك هذه وأن الطوفان لم يطل إلى كعبه وأنه خاض البحر فوصل إلى حجزته وأنه كان يأخذ الحوت من قرار البحر فيشويه في عين الشمس وأنه قلع صخرة عظيمة على قدر عسكر موسى وأراد أن يرضخهم بها فقورها الله على عنقه مثل الطوق
وليس العجب من جرأة مثل هذا الكذاب على الله وإنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره ولا

يبين أمره
وهذا عندهم ليس من ذرية نوح وقد قال الله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين الصافات 77 فأخبر أن كل من بقي على وجه الأرض فهو من ذرية نوح فلو كان لعوج هذا وجود لم يبق بعد نوح
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن
وأيضا فإن بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام وسمكها كذلك وإذا كانت الشمس في السماء الرابعة فبيننا وبينها هذه المسافة العظيمة فكيف يصل إليها طول ثلاثة آلاف ذراع حتى يشوي في عينها الحوت ولا ريب أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا السخرية والاستهزاء بالرسل وأتباعهم
88 - ومن هذا حديث أن قاف جبل من زمردة خضراء

تحيط بالدنيا كإحاطة الحائط بالبستان والسماء رافعة أكنافها عليه فزرقتها منه وهذا وأمثاله مما يزيد الفلاسفة وأمثالهم كفرا
89 - ومن هذا حديث إن الأرض على صخرة والصخرة عل قرن ثور فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة فتحركت الأرض وهي الزلزلة والعجب من مسود كتبه بهذه الهذيانات
90 - ومن هذا حديث كانت جنية تأتي النبي صلى الله عليه و سلم فأبطأت عليه فقال ما أبطأ بك قالت مات لها ميت بالهند فذهبت في تعزيته فرأيت في طريقي إبليس يصلي على صخرة فقلت له ما حملك على أن أضللت بني آدم فقال دعي هذا عنك قلت تصلي وأنت أنت قال يا فارغة إني لأرجو من ربي إذا بر قسمه أن يغفر لي فما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ضحك مثل ذلك اليوم قال ابن عدي في الكامل حدثنا عبدالمؤمن بن بن أحمد حدثنا ابن لهيعة عن أبيه عن أبي الزبير عن جابر فذكره والله تعالى أعلم بما دس في كتب ابن لهيعة وإلا فهو أعلم بالحديث من أن يروج عليه مثل هذا الهذيان

91 - ومن هذا حديث هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس الحديث الطويل ونحوه
92 - وحديث زرنب بن برثملا قال ابن الجوزي حديث زرنب باطل

فصل مخالفة الحديث الموضوع لصريح القرآن
ومنها مخالفة الحديث لصريح القرآن
93 - كحديث مقدار الدنيا وأنها سبعة آلاف سنة ونحن الآن في الألف السابعة وهذا من أبين الكذب لأنه لو كان صحيحا لكان كل أحد علم أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وإحدى وخمسون سنة والله تعالى يقول يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله الأعراف 187 وقال الله تعالى إن الله عنده علم الساعة لقمان 34 وقال النبي صلى الله عليه و سلم لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله
وقد جاهر بالكذب بعض من يدعي في زماننا العلم وهو متشبع بما لم يعط أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يعلم متى تقوم الساعة

قيل له فقد قال في حديث جبريل ما المسؤول عنها بأعلم من السائل فحرفه عن موضعه وقال معناه أنا وأنت نعلمها
وهذا من أعظم الجهل وأقبح التحريف والنبي صلى الله عليه و سلم أعلم بالله من أن يقول لم كان يظنه أعرابيا أنا وأنت نعلم الساعة إلا أن يقول هذا الجاهل إنه كان يعرف أنه جبريل
ورسول الله صلى الله عليه و سلم وهو الصادق في قوله والذي نفسي بيده ما جاءني في صورة إلا عرفته غير هذه الصورة وفي اللفظ الآخر ما شبه علي غير هذه المرة وفي اللفظ الآخر ردوا علي الأعرابي فذهبوا والتمسوا فلم يجدوا شيئا وإنما علم النبي صلى الله عليه و سلم أنه جبريل بعد مدة كما قال عمر فلبثت مليا فقال النبي صلى الله عليه و سلم يا عمر أتدري من السائل
والمحرف يقول علم وقت السؤال أنه جبريل ولم يخبر الصحابة بذلك إلا بعد مدة ثم قوله في الحديث ما المسؤول عنها بأعلم من السائل يعم كل سائل ومسؤول فكل سائل ومسؤول عن هذه الساعة شأنهما كذلك ولكن هؤلاء الغلاة عندهم أن علم رسول الله صلى الله عليه و سلم منطبق على علم الله سواء بسواء فكل ما يعلمه الله يعلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم والله تعالى يقول وممن حولكم من الأعراب

منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم وهذا في براءة 101 وهي من أواخر ما نزل من القرآن هذا والمنافقون جيرانه في المدينة
ومن هذا حديث عقد عائشة رضي الله عنها لما أرسل في طلبه فأثاروا الجمل فوجدوه

ومن هذا حديث تلقيح التمر وقال ما أرى لو تركتموه يضره شيء فتركوه فجاء شيصا فقال أنتم أعلم بدنياكم رواه مسلم عن عائشة
وقد قال الله تعالى قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب الأنعام 5 وقال ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير الأعراف 188
ولما جرى لأم المؤمنين عائشة ما جرى ورماها أهل الإفك بما رموها به لم يكن صلى الله عليه و سلم يعلم حقيقة الأمر حتى جاءه الوحي من الله ببراءتها
وعند هؤلاء الغلاة أنه صلى الله عليه و سلم كان يعلم الحال على حقيقته بلا ريب واستشار الناس في فراقها ودعا ريحانة فسألها وهو يعلم الحال وقال لها إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وهو يعلم علما يقينا أنها لم تلم بذنب
ولا ريب أن الحامل لهؤلاء على هذا الغلو إنما هو اعتقادهم أنه يكفر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة وكلما غلوا كانوا أقرب إليه وأخص به فهم أعصى الناس لأمره وأشدهم مخالفة لسنته

وهؤلاء فيهم شبه ظاهر من النصارى الذين غلوا في المسيح أعظم الغلو وخالفوا شرعه ودينه أعظم المخالفة
والمقصود أن هؤلاء يصدقون بالأحاديث المكذوبة الصريحة ويحرفون الأحاديث الصحيحة عن مواضعها لترويج معتقداتهم والله ولي دينه فيقيم من يقوم له بحق النصيحة

فصل غلط وقع في صحيح مسلم
ويشبه هذا ما وقع فيه الغلط في حديث أبي هريرة خلق الله التربة يوم السبت الحديث وهو في صحيح مسلم ولكن وقع الغلط في رفعه وإنما هو من قول كعب الأحبار كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير وقاله غيره من علماء المسلمين أيضا وهو كما قالوا لأن الله أخبر أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وهذا الحديث يتضمن أن مدة التخليق سبعة أيام والله أعلم
فصل أحاديث صخرة بيت المقدس
94 - ومن ذلك الحديث الذي يروى في الصخرة أنها عرش الله الأدنى تعالى الله عن كذب المفترين ولما سمع عروة بن الزبير هذا قال سبحان الله يقول الله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض البقرة 255 وتكون الصخرة عرشه الأدنى
وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى والحديث الذي فيها كذب موضوع مما عمله المزورون الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين
وأرفع شيء في الصخرة أنها كانت قبلة اليهود وهي في المكان كيوم السبت في الزمان أبدل الله بها الأمة المحمدية الكعبة البيت الحرام
ولما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يبني المسجد الأقصى استشار الناس هل يجعله أمام الصخرة أو خلفها فقال له كعب يا أمير المؤمنين ابنه خلف الصخرة فقال يا ابن اليهودية خالطتك اليهودية بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون فبناه حيث هو اليوم

وقد أكثر الكذابون من الوضع في فضائلها وفضائل بيت المقدس والذي صح في فضله قوله صلى الله عليه و سلم
لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا وهو في الصحيحين
وقوله من حديث أبي ذر وقد سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم أي مسجد وضع في الأرض أول فقال
المسجد الحرام قال ثم أي قال المسجد الأقصى الحديث وهو متفق عليه
وحديث عبدالله بن عمرو لما بنى سليمان البيت سأل ربه ثلاث مسائل سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أن لا يؤم أحد هذا البيت لا يريد إلا للصلاة فيه إلا رجع من خطيئته كيوم ولدته أمه وأنا أرجو أنه يكون أعطاه الله ذلك وهو في مسند أحمد وصحيح الحاكم
وفي الباب حديث رابع دون هذه الأحاديث رواه ابن ماجة في سننه وهو حديث مضطرب إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة وهذا محال لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم أفضل منه

والصلاة فيه تفضل على غيره بألف صلاة
وقد روي في بيت المقدس التفضيل بخمس مئة وهو أشبه
صح أنه صلى الله عليه و سلم أسرى به إليه وأنه صلى فيه وأم المرسلين تلك الصلاة وربط البراق بحلقة الباب وعرج به منه
وصح عنه أن المؤمنين يتحصنون به من يأجوج ومأجوج
فهذا مجموع ما صح فيه من الأحاديث
ثم افتتح الكذاب الجراب وأكمل الأحاديث المكذوبة فيه وفي الخليل فقبح الله الكاذبين على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه و سلم والمحرفين للصحيح من كلامه فيا لله من للأمة من هاتين الطائفتين

فصل أحاديث فضائل رجب وغيرها
ومنها أحاديث صلوات الأيام والليالي
95 - كصلاة يوم الأحد وليلة الأحد ويوم الاثنين وليلة الاثنين إلى آخر الأسبوع كلها كذب وقد تقدم بعض ذلك
96 - وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله صلى الله عليه و سلم
97 - وأصله ما رواه عبدالرحمن بن منده وهو صدوق عن ابن جهضم وهو واضع الحديث حدثنا علي بن محمد بن سعيد البصري حدثنا أبي حدثنا خلف بن عبدالله الصنعاني عن حميد عن أنس يرفعه رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي الحديث وفيه لا تغفلوا عن أول جمعة من

رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة الرغائب وذكر الحديث المكذوب بطوله قال ابن الجوزي اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب قال وسمعت عبدالوهاب الحافظ يقول رجاله مجهولون فنبشت جميع الكتب فما وجدتهم وقال بعض الحفاظ بل لعلهم لم يخلقوا
98 - وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه فهو كذب مفترى
99 - كحديث من صلى بعد المغرب أول ليلة من رجب عشرين ركعة جاز على الصراط بلا حساب
100 - وحديث من صام يوما من رجب وصلى ركعتين يقرأ في كل ركعة مئة مرة آية الكرسي وفي الثانية مئة مرة قل هو الله أحد لم يمت حتى ير مقعده من الجنة

101 - وحديث من صام من رجب كذا وكذا الجميع كذب مختلف
102 - وأقرب ما جاء فيه ما رواه ابن ماجة في سننه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن صيام رجب

فصل في أحاديث ليلة النصف من شعبان
ومن ذلك أحاديث ليلة النصف من شعبان
103 - كحديث يا علي من صلى ليلة النصف من شعبان مئة ركعة بألف قل هو الله أحد قضى الله له كل حاجة طلبها تلك الليلة وساق جزافات كثيرة وأعطي سبعين ألف حوراء لكل حوراء سبعين ألف غلام وسبعون ألف ولد إلى أن قال ويشفع والداه كل واحد منهما في سبعين ألفا والعجب ممن يشم رائحة العلم بالسنن ثم يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها وهذه الصلاة وضعت في الإسلام بعد الأربع مئة ونشأت من بيت المقدس فوضع لها عدة أحاديث منها
104 - من قرأ ليلة النصف من شعبان ألف مرة قل هو الله أحد الحديث بطوله وفيه بعث الله إليه مئة ألف ملك يبشرونه
105 - وحديث من صلى ليلة النصف من شعبان ثلاث مئة ركعة يقرأ في كل ركعة ثلاثين مرة قل هو الله أحد شفع في عشرة قد استوجبوا النار وغير ذلك من الأحاديث التي لا يصح منها شيء
فصل ركاكة ألفاظ الحديث وسماجة معناه تدلان على وضعه
ومنها ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها بحيث يمجها السمع ويدفعها الطبع
106 - كحديث أربع لا تشبع من أربع أنثى من ذكر وأرض من مطر وعين من نظر وأذن من خبر
107 - وحديث ارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالما تلاعب به الصبيان
108 - وحديث لا تستشيروا الحاكة والأساكفة والصواغين أو صنعة من الصنائع المباحة فكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ لا يذم الله ورسوله الصنائع المباحة

109 - ومن ذلك حديث من فارق الدنيا وهو سكران دخل القبر سكران وبعث من قبره سكران وأمر به إلى النار سكران إلى جبل أو نهر يقال له سكران
110 - وحديث إن لله ملكا اسمه عمارة على فرس من ياقوت طوله مد بصره يدور في البلدان ويقف في الأسواق ينادي ليغلو كذا وكذا وليرخص كذا وكذا
111 - وحديث إن لله ملكا من حجارة يقال له عمارة فينزل على حمار من حجارة كل يوم فيسعر

فصل أحاديث ذم السودان كلها كذب
ومنها أحاديث ذم الحبشة والسودان كلها كذب
112 - كحديث دعوني من السودان إنما الأسود لبطنه وفرجه
113 - وحديث الزنجي إذا شبع زنا وإذا جاع سرق
114 - وحديث إياكم والزنج فإنه خلق مشوه
115 - وحديث رأى طعاما فقال لمن هذا فقال العباس للحبشة أطعمهم قال لا تفعل إنهم إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا زنوا
فصل أحاديث ذم الترك والخصيان والمماليك موضوعة
ومنها أحاديث ذم الترك وأحاديث ذم الخصيان وأحاديث ذم المماليك
116 - كحديث لو علم الله في الخصيان خيرا لأخرج من أصلابهم ذرية يعبدون الله
117 - وحديث شر المال في آخر الزمان المماليك
فصل في الأحاديث الموضوعة قرائن تدل على بطلانها
ومنها ما يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل
118 - مثل حديث وضع الجزية عن أهل خيبر فهذا كذب من عدة وجوه
أحدها أن فيه شهادة سعد بن معاذ وسعد توفي قبل ذلك في غزاة الخندق
وثانيها أن فيه وكتب معاوية بن أبي سفيان هكذا ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح وكان من الطلقاء
وثالثها أن الجزية لم تكن نزلت حينئذ ولا يعرفها الصحابة ولا العرب وإنما أنزلت بعد عام تبوك وحينئذ وضعها النبي صلى الله عليه و سلم على نصارى نجران ويهود اليمن ولم تؤخذ من يهود المدينة لأنهم وادعوه قبل نزولها ثم قتل من قتل منهم وأجلى بقيتهم إلى خيبر وإلى الشام وصالحه عليه السلام أهل خيبر قبل فرض الجزية فلما نزلت آية الجزية استقر الأمر على ما كان عليه وابتدأ ضربها على من لم يتقدم له معه عليه السلام صلح فمن ها هنا وقعت الشبهة في أهل خيبر

رابعها أنه فيه أنه وضع عنهم الكلف والسخر ولم يكن في زمانه كلف ولا سخر ولا مكوس
خامسها أنه لم يجعل لهم عهدا لازما بل قال نقركم ما شئنا فكيف يضع عنهم الجزية التي يصير لأهل الذمة بها عهد لازم مؤبد ثم لا يثبت لهم أمانا لازما مؤبدا
سادسها أن مثل هذا من تتوفر الهمم و الدواعي على نقله فكيف يكون قد وقع ولا يكون علمه عند حملة السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث وينفرد بعلمه ونقله اليهود
سابعها أن أهل خيبر لم يتقدم لهم من الإحسان ما يوجب وضع الجزية عنهم فإنهم حاربوا الله ورسوله قاتلوه وقاتلوا أصحابه وسلوا السيوف في وجوههم وسموا النبي صل الله عليه وسلم وآووا أعداءه المحاربين له المحرضين على قتاله فمن أين يقع هذا الاعتناء بهم وإسقاط هذا الفرض الذي جعله الله عقوبة لمن لم يدن منهم بدين الإسلام
ثامنها أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يسقطها عن الأبعدين عنه مع عدم معاداتهم له كأهل اليمن وأهل نجران فكيف يضعها عن

الخيبريين الأدنين مع شدة معاداتهم له وكفرهم وعنادهم ومن المعلوم أنه كلما اشتد كفر الطائفة وتغلظت عداوتهم كانوا أحق بالعقوبة لا بإسقاط الجزية
تاسعها أن النبي صلى الله عليه و سلم لو أسقط الجزية عنهم كما ذكروا لكانوا من أحسن الكفار حالا ولم يحسن بعد ذلك أن يشترط لهم إخراجهم من أرضهم وبلادهم متى شاء فإن أهل الذمة الذين يقرون بالجزية لا يجوز إخراجهم من أرضهم و ديارهم ما داموا ملتزمين لأحكام الذمة فكيف إذا روعي جانبهم بإسقاط الجزية وأعفوا من الصغار الذي يلحقهم بأدائها فأي صغار بعد ذلك أعظم من نفيهم من بلادهم وتشتيتهم في أرض الغربة فكيف يجتمع هذا وهذا
عاشرها أن هذا لو كان حقا لما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم والتابعون والفقهاء كلهم على خلافه وليس في الصحابة رجل واحد قال لا تجب الجزية على الخيبرية لا في التابعين ولا في الفقهاء بل قالوا أهل خيبر وغيرهم في الجزية سواء وعرضوا بهذا الكتاب المكذوب وقد صرحوا بأنه كذب

كما ذكر ذلك الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وغيرهم وذكر الخطيب البغدادي هذا الكتاب وبين أنه كذب من عدة وجوه
وأحضر هذا الكتاب بين يدي شيخ الإسلام وحوله اليهود يزفونه ويجلونه وقد غشي بالحرير و الديباج فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال هذا كذب من عدة أوجه وذكرها فقاموا من عنده بالذل والصغار

جوامع وضوابط للأحاديث الموضوعة
فصل في ذكر جوامع وضوابط كلية في هذا الباب
119 - فمنها أحاديث الحمام بالتخفيف لا يصح منها شيء كحديث كان يعجبه النظر إلى الحمام
120 - وحديث كان يحب النظر إلى الخضرة والأترج والحمام الأحمر
121 - وحديث شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الوحدة فقال له لو اتخذت زوجا من حمام فآنسك وأصبت من فراخه
122 - وحديث اتخذوا الحمام المقاصيص فإنها تلهي الجن عن صبيانكم

123 - وقال زكريا بن يحيى الساجي بلغني أن أبا البختري دخل على الرشيد وهو يطير الحمام فقال الرشيد هل تحفظ في هذا شيئا فقال حدثني هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يطير الحمام فقال الرشيد أخرج عني ثم قال لولا أنه رجل من قريش لعزلته يعني من القضاء
124 - أما غياث بن إبراهيم فكذاب خبيث وهو الذي دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام فروى له لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر أو جناح فلما خرج قال أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم أمر بذبح الحمام لتسببهن في كذب هذا على رسول الله صلى الله عليه و سلم
125 - وأرفع شيء جاء فيها حديث أنه رأى رجلا يتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانة

فصل أحاديث الدجاج والغنم كلها كذب
ومنها أحاديث اتخاذ الدجاج ليس فيها حديث صحيح
126 - كحديث الدجاج غنم فقراء أمتي
127 - وحديث أمر الفقراء باتخاذ الدجاج وأمر الأغنياء باتخاذ الغنم
فصل أحاديث ذم الأولاد كلها كذب
ومنها أحاديث ذم الأولاد كلها كذب من أولها إلى آخرها
128 - كحديث لو ربى أحدكم بعد الستين ومئة جرو كلب خير له من أن يربي ولدا
129 - وحديث إذا كان الولد غيظا والمطر قيظا
130 - وحديث لا يولد بعد الست مئة مولود ولله فيه حاجة
فصل أحاديث التواريخ المستقبلة
ومنها أحاديث التواريخ المستقبلة وقد تقدمت الإشارة إليها وهي كل حديث فيه إذا كانت سنة كذا وكذا حل كذا وكذا
131 - كحديث يكون في رمضان هدة توقظ النائم وتقعد القائم وتخرج العواتق من خدورها وفي شوال مهمهة وفي ذي القعدة تميز القبائل بعضها من بعض وفي ذي الحجة تراق الدماء
132 - وحديث يكون صوت في رمضان إذا كانت ليلة النصف منه ليلة جمعة يصعق له سبعون ألفا ويصم سبعون ألفا

133 - وحديث عند رأس مئة يبعث الله ريحا باردة يقبض الله فيها روح كل مؤمن
134 - وحديث إذا كانت سنة ثلاثين ومئة كان الغرباء قرآن في جوف ظالم ومصحف في بيت قوم لا يقرأون فيه ورجل صالح بين قوم سوء
135 - وحديث إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومئة خرجت شياطين حبسهم سليمان بن داود في جزائر البحر فذهب منهم تسعة أعشارهم إلى العراق يجادلونهم بالقرآن وعشر بالشام
136 - وحديث إذا كانت سنة خمسين ومئة فخير أولادكم البنات
137 - وحديث إذا كانت سنة ستين ومئة كان كذا وكذا
138 - وحديث أصحابي أهل إيمان وعمل إلى أربعين وأهل بر وتقوى إلى الثمانين وأهل تواصل وتراحم إلى العشرين ومئة وأهل تقاطع وتدابر إلى الستين ومئة ثم الهرج الهرج
139 - وحديث الآفات بعد المئتين
140 - وحديث إذا أتت على أمتي ثلاث مئة وثمانون سنة فقد حلت لهم الغربة والترهب على رؤوس الجبال

فصل أحاديث عاشوراء
ومنها أحاديث الاكتحال يوم عاشوراء والتزين والتوسعة والصلاة فيه وغير ذلك من فضائله لا يصح منها شيء ولا حديث واحد ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم فيه شيء غير أحاديث صيامه وما عداها فباطل
141 - وأمثل ما فيها حديث من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته قال الإمام أحمد لا يصح هذا الحديث
142 - وأما أحاديث الاكتحال والادهان والتطيب فمن وضع الكذابين وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن

والطائفتان مبتدعتان خارجتان على السنة وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي صلى الله عليه و سلم من الصوم ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع

فصل في أحاديث فضائل سور القرآن
ومنها ذكر فضائل السور وثواب من قرأ سورة كذا فله أحر كذا من أول القرآن إلى آخره كما ذكر ذلك الثعلبي والواحدي في أول كل سورة والزمخشري في آخرها قال عبد الله ابن المبارك أظن الزنادقة وضعوها
والذي صح في أحاديث السور حديث فاتحة الكتاب وأنه لم ينزل في التوراة ولا في الانجيل ولا في الزبور مثلها وحديث البقرة و آل عمران أنهما الزهراوان وحديث آية الكرسي وأنها سيدة القرآن وحديث الآيتين من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه وحديث سورة البقرة لا تقرأ في بيت فيقربه شيطان وحديث العشر آيات من أول سورة الكهف من قرأها عصم من فتنة الدجال وحديث قل هو الله أحد وأنها تعدل ثلث القرآن ولم يصح في فضائل سورة ما صح فيها وحديث المعوذتين وأنه ما تعوذ المتعوذون بمثلهما وقوله صلى الله عليه و سلم أنزل علي آيات لم ير مثلهن ثم قرأهما

ويلي هذه الأحاديث وهي دونها في الصحة حديث إذا زلزلت تعدل نصف القرآن وحديث قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن وحديث تبارك الذي بيده الملك هي المنجية من عذاب القبر
143 - ثم سائر الأحاديث بعد كقوله من قرأ سورة كذا أعطي ثواب كذا فموضوعة على رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد اعترف بوضعها واضعها وقال قصدت أن أشغل الناس بالقرآن عن غيره وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع نحن نكذب لرسول الله صلى الله عليه و سلم ولا نكذب عليه ولم يعلم هذا الجاهل أنه من قال عليه ما لم يقل فقد كذب عليه واستحق الوعيد الشديد

فصل ما وضع في فضائل الصديق رضي الله عنه
قد وضع جهلة المنتسبين إلى السنة في فضائل الصديق رضي الله عنه
144 - حديث إن الله يتجلى للناس عامة يوم القيامة ولأبي بكر خاصة
145 - وحديث ما صب الله في صدري شيئا إلا صببته في صدر أبي بكر
146 - وحديث وكان إذا اشتاق إلى الجنة قبل شيبة أبي بكر
147 - وحديث أنا وأبو بكر كفرسي رهان
148 - وحديث إن الله لما اختار الأرواح اختار روح أبي بكر
149 - وحديث عمر كان رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر يتحدثان وكنت أنا كالزنجي بينهما
150 - وحديث لو حدثتكم بفضائل عمر عمر نوح في قومه ما فنيت وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر
151 - وحديث ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة وإنما سبقكم بشيء وقر في صدره وهذا من كلام أبي بكر بن عياش
فصل ما وضع في فضائل علي رضي الله عنه
152 - وأما ما وضعه الرافضة في فضائل علي فأكثر من أن يعد قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد وضعت الرافضة من فضائل علي رضي الله عنه وأهل البيت نحو ثلاث مئة ألف حديث ولا تستبعد هذا فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال
فصل ما وضع في فضائل معاوية بن أبي سفيان
153 - ومن ذلك ما وضعه بعض جهلة أهل السنة في فضائل معاوية بن أبي سفيان
قال اسحاق بن راهويه لا يصح في فضائل معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه و سلم شيء
قلت ومراده ومراد من قال ذلك من أهل الحديث إنه لم يصح حديث في مناقبه بخصوصه وإلا فما صح عندي في مناقب الصحابة على العموم ومناقب قريش فمعاوية رضي الله عنه داخل فيه
فصل ما وضع في مناقب أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى
154 - ومن ذلك ما وضعه الكذابون في مناقب أبي حنيفة والشافعي على التنصيص على اسميهما
وكذا ما وضعه الكذابون أيضا في ذمهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وما يروى من ذلك كله كذب مختلق
فصل أحاديث المناقب والمثالب
ومن ذلك الأحاديث في ذم معاوية
155 - وكل حديث في ذمه فهو كذب
156 - وكل حديث في ذم عمرو بن العاص فهو كذب
157 - وكل حديث في ذم بني أمية فهو كذب
158 - وكل حديث في مدح المنصور والسفاح والرشيد فهو كذب
159 - وكل حديث فيه ذم يزيد بن معاوية فكذب وكذلك أحاديث ذم الوليد وذم مروان بن الحكم
160 - وكذا كل حديث في مدح بغداد وذمها والبصرة والكوفة ومرو وقزوين وعسقلان والاسكندرية ونصيبين وأنطاكية فهو كذب
161 - وكذا كل حديث في تحريم ولد العباس على النار فهو كذب
162 - وكل حديث في ذكر الخلافة في ولد العباس
163 - وكذا كل حديث في مدح أهل خراسان الخارجين مع عبدالله بن علي وولد العباس فهو كذب

164 - وكذا حديث عدد الخلفاء من أولاد العباس كذب
165 - وكذا كل حديث أن مدينة كذا وكذا من مدن الجنة أو من مدن النار فهو كذب
166 - وحديث ذم أبي موسى من أقبح الكذب
167 - وحديث نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى معاوية وعمرو بن العاص فقال أركسهما في الفتنة ركسا ودعهما إلى النار دعا كذب مختلق

فصل أحاديث موضوعة في علم الكلام
168 - وكذا كل حديث فيه أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فكذب مختلق
169 - وقابل من وضعهما طائفة أخرى فوضعوا أحاديث على رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال الإيمان يزيد وينقص وهذا كلام صحيح وهو إجماع السلف حكاه الشافعي وغيره ولكن هذا اللفظ مكذوب على رسول الله صلى الله عليه و سلم
170 - وهو مثل إجماع الصحابة والتابعين وجميع أهل السنة وأئمة الفقه على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق وليست هذه الألفاظ حديثا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ومن روى ذلك عنه فقد غلط
فصل أحاديث موضوعة في الوضوء
171 - وكل حديث في التنشيف بعد الوضوء فإنه لا يصح
172 - وكذا حديث مسح الرقبة في الوضوء باطل
173 - وأحاديث الذكر على أعضاء الوضوء كلها باطلة ليس فيها شيء يصح
174 - وأقرب ما روي فيها أحاديث التسمية على الوضوء وقد قال الإمام أحمد لا يثبت في التسمية على الوضوء حديث انتهى ولكنها أحاديث حسان
175 - وكذلك حديث التشهد بعد الفراغ من الوضوء

وقول المتوضئ أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين
176 - وفي حديث آخر رواه بقي بن مخلد في مسنده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك فهذا الذكر بعده والتسمية قبله هو الذي رواه أهل السنن والمسانيد

فصل في الحيض ومن عليه صلاة
177 - وكذلك تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام وأكثره بعشرة ليس فيها شيء صحيح بل كله باطل
178 - وكذلك حديث لا صلاة لمن عليه صلاة قال إبراهيم الحربي سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال لا أعرفه قال الحربي ولا سمعت أنا بهذا في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم
فصل أحاديث موضوعة متفرقة
ومن الأحاديث الباطلة
179 - حديث من بشرني بخروج نيسان ضمنت له الجنة
180 - وحديث من آذى ذميا فقد آذاني
181 - وحديث يوم صومكم يوم نحركم يوم رأس سنتكم
182 - وحديث للسائل حق وإن جاء على فرس

قال الإمام أحمد أربعة أحاديث تدور في الأسواق لا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر هذه الأحاديث الأربعة
183 - ومن ذلك حديث لولا كذب السائل ما أفلح من رده قال العقيلي ليس في هذا الباب شيء يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم
184 - ومن ذلك حديث طلب الخير من الرحماء ومن حسان الوجوه قال العقيلي ليس في هذا الباب شيء يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم
185 - ومن ذلك أحاديث التحذير من التبرم بحوائج الناس ليس فيها شيء صحيح قال العقيلي وقد روي في هذا الباب أحاديث ليس فيها شيء يثبت
186 - وكذلك حديث السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة والبخيل عكسه قال الدارقطني لا يثبت فيها حديث بوجه

187 - ومن ذلك أحاديث السراري كحديث اتخذوا السراري فإنهن مباركات الأرحام قال العقيلي لا يصح في السراري عن النبي صلى الله عليه و سلم شيء

فصل كليات في الموضوعات
188 - ومن هذا أحاديث مدح العزوبة كلها باطلة
189 - ومن ذلك أحاديث النهي عن قطع السدر قال

العقيلي لا يصح في قطع السدر شيء وقال أحمد ليس فيه حديث صحيح
190 - ومن ذلك ما تقدمت الإشارة إلى بعضه من أحاديث مدح العدس والأرز والباقلاء والباذنجان والرمان والزبيب والهندباء والكراث والبطيخ والجوز والجبن والهريسة وفيها جزء كله كذب من أوله إلى آخره
191 - وأقرب ما جاء فيها حديث أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم وقال العقيلي لا يصح في هذا المتن عن النبي صلى الله عليه و سلم شيء

192 - ومن هذا حديث النهي عن قطع اللحم بالسكين فإنه من صنع الأعاجم قال الإمام أحمد ليس بصحيح
193 - وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يحتز من لحم الشاة ويأكل
194 - ومن ذلك أحاديث النهي عن الأكل في السوق كلها باطلة قال العقيلي لا يثبت في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه و سلم
195 - ومن ذلك أحاديث البطيخ وفضله وفيه جزء وقال الإمام أحمد لا يصح في فضل البطيخ شيء إلا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يأكله

فصل أحاديث فضائل الأزهار والديكة
196 - ومن ذلك أحاديث فضائل الأزهار كحديث فضل النرجس والورد والمرزنجوش والبنفسج والبان كلها كذب
197 - ومن ذلك أحاديث فضائل الديك كلها كذب إلا حديثا واحدا إذا سمعتم صياح الديك فاسألوا الله من فضله وقد تقدم ذلك
فصل أحاديث الحناء لا يصح منها شيء
ومن ذلك أحاديث الحناء وفضلها والثناء عليها وفيه جزء لا يصح منه شيء
198 - وأجود ما فيه حديث الترمذي أربع من سنن المرسلين السواك والطيب والحناء وسمعت شيخنا أبا الحجاج المزي يقول هذا غلط من بعض الرواة وإنما هو الختان بالنون كذلك رواه المحاملي عن شيخ الترمذي قال والظاهر أن اللفظة وقعت في آخر السطر فسقطت منها النون فرواها بعضهم الحناء وبعضهم الحياء وإنما هو الختان
199 - وصح حديث الخضاب بالحناء والكتم

200 - ومن ذلك التختم بالعقيق قال العقيلي لا يثبت في هذا شيء عن النبي صلى الله عليه و سلم
201 - ومن ذلك حديث النهي أن تقص الرؤيا على النساء قال العقيلي لا يحفظ من وجه يثبت

فصل لا يدخل الجنة ولد زنا وتأويل ذلك
202 - ومن ذلك أحاديث لا يدخل الجنة ولد زنا قال أبو الفرج ابن الجوزي وقد ورد في ذلك أحاديث ليس فيها شيء يصح وهي معارضة بقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى الإسراء 55
قلت ليست معارضة لها إن صحت فإنه لم يحرم الجنة بفعل والديه بل لأن النطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب ولا يدخل الجنة إلا نفس طيبة فإن كانت في هذا الجنس طيبة دخلت الجنة وكان الحديث من العام المخصوص

203 - وقد ورد في ذمه أنه شر الثلاثة وهو حديث حسن ومعناه صحيح بهذا الاعتبار فإن شر الأبوين عارض وهذا نطفة خبيثة وشره من أصله وشر الأبوين من فعلهما

فصل في أحاديث مشهورة لا تصح
204 - ومن ذلك حديث ليس لفاسق غيبة قال الدارقطني والخطيب قد روي من طرق وهو باطل
205 - ومن ذلك أحاديث النهي عن سب البراغيث قال العقيلي لا يصح في البراغيث عن النبي صلى الله عليه و سلم شيء

206 - ومن ذلك أحاديث اللعب بالشطرنج إباحة وتحريما كلها كذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم وإنما يثبت فيه المنع من الصحابة
207 - ومن ذلك حديث لا تقتل المرأة إذا ارتدت قال الدارقطني لا يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم
208 - ومن ذلك حديث من أهديت إليه هدية وعنده جماعة فهم شركاؤه قال العقيلي لا يصح في هذا الباب شيء وقال البخاري في صحيحه باب من أهدي له هدية وعنده جلساء فهو أحق قال ويذكر عن ابن عباس أن جلساءه شركاؤه ولم يصح
209 - ومن ذلك حديث إن عبدالرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا قال شيخنا لا يصح عن النبي صلى الله عليه و سلم

210 - ومن ذلك أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه و سلم
211 - وأقرب ما فيها حديث لا تسبوا أهل الشام فإن فيهم البدلاء كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلا آخر ذكره أحمد ولا يصح أيضا فإنه منقطع

فصل أحاديث موضوعة في أحكام الصلاة
ومن ذلك أحاديث المنع من رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه كلها باطلة على رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يصح منها شيء
212 - كحديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة قال ابن المبارك قد ثبت حديث سالم عن أبيه يعني في الرفع ولم يثبت حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه
213 - وكحديث الآخر صليت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا إلا عند افتتاح الصلاة وهو منقطع لا يصح
214 - وحديث يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن

البراء أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود قال الشافعي ذهب بعض الناس إلى تغليط يزيد وقال الإمام أحمد هذا حديث واه وقال يحيى ابن أبي زياد ضعيف الحديث وقال ابن عدي ليس بذاك وضعف هذا الحديث جمهور أهل الحديث وقالوا لا يصح
215 - وحديث وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ح وعن نافع عن ابن عمر قالا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ترفع الأيدي في سبع مواطن عند افتتاح الصلاة واستقبال القبلة والصفا والمروة والموقفين والجمرتين لا يصح رفعه والصحيح وقفه على ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم

216 - وحديث أورده البيهقي في الخلافيات من رواية عبدالله بن عوف الجزار حدثنا مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود ومن شم روائح الحديث على بعد شهد بالله أنه موضوع
217 - وحديث ابن الزبير كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يرفع يديه في أول الصلاة ثم لا يرفعها وهو موضوع
218 - وحديث وضعه محمد بن عكاشة الكرماني عن أنس رضي الله عنه موقوفا من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له قبح الله واضعه

فصل حديث دعوة الناس بأمهاتهم يوم القيامة باطل
219 - ومن ذلك حديث إن الناس يوم القيامة يدعون بأمهاتهم لا بآبائهم وهو باطل
220 - والأحاديث الصحيحة بخلافه قال البخاري في صحيحه باب يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم ثم ذكر حديث ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان بن فلان وفي الباب أحاديث أخرى غير ذلك
فصل أحاديث متفرقة
221 - ومن ذلك حضور رسول الله صلى الله عليه و سلم مجلسا للفقراء ورقص حتى شق قميصه فلعن الله واضعه ما أجرأه على الكذب السمج
222 - وحديث لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه وهو من وضع المشركين عباد الأوثان
223 - وحديث اتخذوا مع الفقراء أيادي فإن لهم دولة يوم القيامة موضوع
224 - وحديث من عشق فكتم وعف فمات فهو شهيد موضوع على رسول الله صلى الله عليه و سلم
225 - وحديث من أكل مع مغفور له غفر له موضوع أيضا وغاية ما روي فيه أنه منام رآه بعض الناس
226 - وحديث من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا من أقبح الموضوعات
227 - وحديث إذا دعت أحدكم أمه وهو في الصلاة فليجب وإذا دعاه أبوه فلا يجب يرويه عبدالعزيز بن أبان القرشي

الأموي قال البخاري تركوه وقال ابن معين وغيره كذاب روى أحاديث موضوعة
228 - وحديث جابر في التشهد وفي أوله بسم الله التحيات لله يرويه حميد بن الربيع عن أبي عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير عنه قال ابن معين حيمد هذا كذاب وقال النسائي ليس بشيء
تم الكتاب والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم مدة ذكر الذاكرين وسهوة الغافلين والحمد لله رب العالمين 

 

=========

كتاب : مواعظ ابن الجوزي ابن الجوزي

كتاب : مواعظ ابن الجوزي  ابن الجوزي

الفصل الأول ابكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ
 -------------------
إخواني: لو تَفكَّرت النُّفُوسُ فِيمَا بَينَ يَدَيهَا، وَتَذَكَّرَت حِسَابهَا فيما لها وعليها، لبعث حزنها بريد دمها إليها؛ أما يحق البُكاء لمن طالَ عِصيانهُ: نهاره في المعاصي، وقد طال خُسرانه، وليله في الخطايا؛ فقد خفَّ ميزانه، وبين يديه الموت الشديد فيه من العذاب ألوانه0 وروى ابن عمر رضي الله عنهما قال: (استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر فاستلمه، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، فالتفت، فإذا هو بعمر يبكي، فقال: يا عمر ههنا تُسكبُ العبراتُ)0 وقال أبو عمران الجوني: بلغني أن جبريل عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال: يا رسول الله ما يُبكِيكَ: قال: أو ما تَبكى أنت؟ فقال: يا محمد، ما جفت لي عينٌ منذ خلق الله جهنم مخافة أن أعصيه فيلقيني فيها0 وقال يزيد الرقاشي: إن لله ملائكة حول العرش تجرى أعينهم مثل الأنهار إلى يوم القيامة: يميدون كأنما تنفضهم الريح من خشية الله، فيقول لهم الرب عز وجل: يا ملائكتي، ما الذي يخيفكم وأنتم عبيدي: فيقولون: يا ربَّنا لو أن أهل الأرض اطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا: ما ساغوا طعاماً ولا شراباً، ولا انبسطوا في شربهم، ولخرجوا في الصحارى يخورون كما تخور البقر وقال الحسن: بكى آدم عليه السلام حين أُهبط من الجنَّة مائة عام حتى جرت أودية سرنديب من دموعه، فأنبت الله بذلك الوادي من دموم آدم الدارصيني والفلفل، وجعل من طير ذلك الوادي الطواويس0 ثم إن جبريل عليه السلام أتاه وقال: يا آدم ارفع رأسك فقد غُفِرَ لك، فرفع رأسه، ثم أتى التبي فطاف به أُسبوعاً، فما أتمه حتى خاض في دموعه0 وقال ابن أسباط: لو عدل بكاء أهل الأرض ببكائه عليه السلام كان بكاء آدم أكثر:
بكيتُ على الذنوب لِعِظَم جُرمِي ... وَحَقَّ لِمَن عَصَى مُرُّ البُكَاءِ
فَلَو أَنَّ البُكَاءَ يَرُدُّ هَمِّي ... لأَسعَدت الدُّمُوع مَعَ الدِّمَاءِ
قال وهيب بن الورد: لمَّا عاتب الله نوحاً أنزل عليه (إِني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ)، فبكى ثلاثمائة عام حتى صار تحت أعينه أمثال الجداول من البكاء0 قال يزيد الرقاشي: إِنما سمي نُوحاً لأَنه كانَ نَوَّاحاً0
أَنُوحُ عَلَى نَفسِي وَأَبكِى خَطِيئةً ... تَقُودُ خَطَايا أَثقلت مِنِّي الظَّهرَا
فيا لَذَّة كانت قَلِيل بَقَاؤُهَا ... ويا حَسرَةً دَامَت ولم تُبق لي عُذرَا
وقال السدى: بكى داود حتى نبت العشب من دموعه، فلمَّا رماه سهم القدر جعل يتخبط في دماء تفريطه ولسان اعتذاره يُنادى: اغفر لي، فأجابه: للخطائين، فصار يقول: اغفر للخطائين0 قال ثابت البناني: خَشَى داود سبعة أَفرشِ بالرَّمادِ ثم بكى حتى أنفذتها دموعه0
تَصَاعَدَ مِن صَدرِي الغَرامُ لِمُقلَتِي ... فَغَالَبَنى شَوقِي بفَيضِ المَدَامِعِ
وَإِنَّ في ظَلامِ اللَّيلِ قَمرية إِذا ... بكيتُ بَكَت في الدَّوحِ طُول المَدَامِعِ
قال سليمان التيمي: ما شرب داود عليه السلام شراباً إِلا مزجه بدموع عينيه0 قال مجاهد: سأل داود ربَّه أن يجعلَ خطيئته في كَفِّهِ فكان لا يتناول طعاماً ولا شراباً إلا أبصر خطيئته فبكى، وربما أتى بالقدح ثلثاه فمد يده وتناوله، فينظر إلى خطيئته، ولا يضعه على شفتيه حتى يفيض من دموعه0 وقال بعض أصحاب فتح: (رأيته ودموعه خالطها صُفرة فقلت: على ماذا بكيتَ الدَّم؟ قال: بكيتُ الد؟موع على تخلفي عن واجب حق الله، والدم خوفاً أن لا أُقبل، قال: فرأيته في المنام، فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: فدموعك ؟! قال: قربتني، وقال: يا فتح على ماذا بكيت الدموع؟ قلت: يا رب على تخلفي عن واجب حقك، قال: فالدم؟ قلت: بكيت على دموعي خوفاً أن لا تصبح لي، قال: يا فتح، ما أردت بهذا كله، وعزتي وجلالي لقد صعد إِلى حافظاك أربعين سنة بصحيفتك ما فيها خطيئة)0
أجارتنا بالغدر والرَّكب مُتَّهم ... أَيَعلَم خالٍ كيف بات المُتَيَّمُ
رحَلتُم وعُمرَ الليل فينَا وفِيكُم ... سواءً ولَكِن سَاهِرَاتٌ وَنُوَّم

تَنَاءَيتُم من ظَاعنين وخلَّفوا ... قُلُوباً أَبَت أَن تَعرِفَ الصَّبرَ عَنهُمُ
وَلَمَّا جلى التَّودِيع عَمَّا حذَّرته ... وَلا زَال نظرة تَتَغنَّم
بَكِيتَ علَى الوادِي فحُرِمت ماؤهُ ... وَكيفَ يَحل المَاء أَكثَرَهُ دم
قال عبد الله بن عمرو: كان يحيى يَبكِي حتى بَدَت أَضراسه0 قال مجاهد: كانت الدُّموع قد اتخذت في خَده مجرى0 يا من معاصيه أكثر من أن تحصى، يا من رضي أن يطرد ويقصى، يا دائم الزلل وكم ينهى ويوصى، يا جهولاً بقدرنا ومثلنا لا يعصى، إن كان قد أصابك داء داود فنح نوح نوح، تحيا بحياة يحيى0 روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان في وجهه خطوط مُسودة من البكاء0 وبكى ابن مسعود، حتى أخذ بكفه من دموعه فرمى به0 وكان عبد الله بن عمر يطفئ المصباح بالليل ثم يبكي حتى تلتصق عينيه0 وقال أبو يونس بن عبيد: كنا ندخل عليه فيبكي حتى نرحمه0 وكان سعيد بن جبير، قد بكى حتى عمش0 وكان أبو عمران الجوني، إذا سمع المؤذن، تغير وفاضت عيناه0 وكان أبو بكر النهشلي، إذا سمع الأذان تغير لونه وأرسل عينيه بالبكاء0 وكان نهاد بن مطر العدوى، قد بكا حتى عمى0 وبكى ابنه العُلا، حتى عشى بصره0 وكان منصره قد بكى حتى جردت عيناه0 وكانت أمه تقول: يا بني، لو قتلت قتيلاً ما زدت على هذا0 وبكى هشام الدستوائي حتى فسدت عيناه وكانت مفتوحة، وهو لا يبصر بها0 وبكى يزيد الرقاشي أربعين سنة حتى أظلمت عيناه وأحرقت الدموع مجاورتها0 وبكى ثابت البناني حتى كاد بصره أن يذهب، وقيل له: نعالجك، على أن لا تبكي، فقال: لا خير في عين لم تبك:
بَكَى البَاكُونَ لِلرَّحمنِ لَيلاً ... وبَاتُوا دَمعُهُم ما يَسأَمُونَا
بِقَاعُ الأَرضِ من شوقي إِليهم ... تَحُنُّ متى عَليها يَسجُدونا
كان الفضلُ قد أَلِفَ البُكا، حتى ربما بكى في نومه حتى يسمع أهل الدار:
وَرَقَّت دُمُوعُ العين حتىَّ كأَنَها ... دُمُوعُ دمُوعِي، لا دُمُوع جُفُونِي
وكان أبو عبيدة الخوَّاص يبكي، ويقول: قد كبرت فاعنقني0 ويقول الحسن بن عدقة: رأيت يزيد بن هارون بواسط من أحسن الناس عينين ثم رأيته بعد ذلك مكفوف البصر فقلت له: ما فعلت العينان الجميلتان؟ قال: ذهب بهما بكاء الأَسحَار، يا هذا لو علمت ما يفوتك في السحر ما حملك النوم، تقدم حينئذ قوافل السهر على قلوب الذاكرين، وتحط رواحل المغفرة على رباع المستغفرين، من لم يذق حلاوة شراب السحر لم يبلغ عِرفانه بالخير، من لم يتفكر في عمره كيف انقرض لم يبلغ من الحزن الغرض0 قيل لعطاء السليمي: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أبكي حتى لا أَقدر أن أبكي، وكان يبكي الليل والنهار، وكانت دموعه الدهر سائلة على وجهه0 وبكى مالك بن دينار حتى سود طريق الدموع خديه، وكان يقول: لو ملكت البكاء لبكيت أيام الدنيا:
أَلا ما لعين لا ترى قُلَل الحمى ... ولا جبل الديَّان إِلا استهلت
لجوخِ إِذا الحبُّ بكى إِذا بَكَت
قادت الهوى وأَحَلَّت ... إِذا كانت القلوب للخوف وَرَقَّت
رفَعَت دموعها إِلى العين وقت ... فأعتقَت رِقاباً للخطايا رَقَّت
من لم يكن له مثل تقواهم، لم يعلم ما الذي أبكاهم، من لم يشاهدُ جمال يوسف: لم يعلم ما الذي آلم قلب يعقوب:
مَن لَم يبت والحب حشو فؤادهِ ... لَم يدرِ كيفَ تُفَتَّتُ الأَكباد
فيا قياسي القلب، هَلاَّ بكيت على قسوتك، ويا ذاهل العقل في الهوى هَلاَّ ندمت على غفلتك، ويا مقبلاً على الدنيا فكأنك في حفرتك، ويا دائم المعاصي خف من غبِّ معصيتك؛ ويا سيئ الأعمال نُح على خطيئتك، ومجلسنا مَأتَمٌ للذنوب، فابكوا فقد حَلَّ مِنَّا البُكَاء، ويوم القيامة ميعادنا لكشف الستور وهتك الغطاء0

الفصل الثاني تَفَكَّر في يَومِ القِيَامَةِ

إخواني تفكروا في الحشر والمعاد، وتذكروا حين تقوم الأشهاد: إن في القيامة لحسرات، وإن في الحشر لزفرات، وإن عند الصراط لعثرات، وإن عند الميزان لعبرات، وإن الظلم يومئذ ظلمات، والكتب تحوى حتى النظرات، وإن الحسرة العظمى عند السيئات، فريق في الجنة يرتقون في الدرجات، وفريق في السعير يهبطون الدركات، وما بينك وبين هذا إلاَّ أن يقال: فلان مات، وتقول: رَبِّ ارجعوني، فيقال: فات0 روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم)0 وأخرجا جميعاً من حديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث: (ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهراني جهنم، فقيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: مدحه ومزلة، عليه خطاطيف وكَلاليب وحسك، المؤمن يعبر عليه كالطرف وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، فناج مسلم، وناج مخدوش، حتى يمرّ آخرهم يُسحب سحباً)0 لله درَ أقوام أطار ذكر النار عنهم النوم، وطال اشتياقهم إلى الجنان الصوم، فنحلت أجسادهم، وتغيرت ألوانهم، ولم يقبلوا على سماع العذل في حالهم واللوم، دافعوا أنفسهم عن شهوات الدنيا بغد واليوم، دخلوا أسواق الدنيا فما تعرضوا لشراء ولا سوم، تركوا الخوض في بحارها والعوم، ما وقفوا بالإِشمام والروم، جدوا في الطاعة بالصلاة والصوم، هل عندكم من صفاتهم شئ يا قوم؟ قالت أُم الربيع أُم حيثم لولدها: يا بني أَلا تنام؟ قال: يا أُماه، من جَنَّ عليه الليل وهو يخاف الثبات حق له أن لا ينام0 فلما رأت ما يلقى من السهر والبكا، قالت: يا بني لعلك قتلت قتيلاً، قال: نعم، قالت: ومن هذا القتيل حتى نسأل أهله فيغفرون، فوالله لو يعلمون ما تلقى من السهر والبكاء لرحموك، فقال: يا والدتي، هي نفسي0 قيل لزيد بن مزيد: ما لنا لم نزل نراك باكياً، وجلاً خائفاً، فقال: إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتوعدني أن يسجنني إلا في الحمام لبكيت حتى لا تجف لي عبرة0 وكان آمد الشامي يبكي وينتحب في المسجد حتى يعلو صوته وتسيل دموعه على الحصى، فأرسل إليه الأمير: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك، وارتفاع صوتك، ولو أمسكت قليلا ً، فبكى ثم قال: إن حزن يوم القيامة أورثني دموعاً غزاراً فأنا أستريح إلى ذرها:
يا عاذلَ المُشتاق دَعهُ فَإِنَّه ... يطوى عَلى الزَّفَرات غير حشاكا
لَو كانَ قَلبُكَ قَلبه ما لمتُهُ ... حاشاك ممَّا عِندَهُ حاشاكا
وعوتب عطاء السلمى في كثرة البكاء، فقال: إني إذا ذكرت أهل النار وما يُنزلُ بهم من عذاب الله تعالى، مثلت نفسي بينهم فكيف لنفس تغلّ يدها وتسحب إلى النار ولا تبكي؟ وقيل لبعضهم: ارفق بنفسك، فقال: الرفق أطلب0 وقال أسلم بن عبد الملك: صحبت رجلاً شهرين، وما رأيته نائماً بليل ولا نهار، فقلت: ما لك لا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي، ما أخرج من أُعجوبة إلا وقعت في أخرى0 كثر فيك اللوم فأين سمعي وهم قلبي واللوم عليك منجد ومتهم؟ قال: أسهرت والعيون الساهرات نوم، وليس من جسمك إلا جلدة وأعظم00 وما عليهم سهري ولا رقادي لهم، وهل سمان الحب إلّا سهر وسقم، خذ أنت في شأنك يا دمعي وخل عنهم0
الفصل الثالث
بادر بالأعمال الصالحة
طوبى لمن بادر عُمره القصير، فعمَّر به دار المصير، وتهيأ لحساب الناقد البصير قبل فوات القدرة وإعراض النصير0 قال عليه الصلاة والسلام: (بادروا بالأَعمال سبعاً، هل تنتظرون إِلّا فقراً مُنسياً؟ أو غني مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو موتاً مجهزاً، أو هرماً مُفنداً، أو الدجال، فشر غائب يُنتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر)0 كان الحسن يقول: عجبت لأقوام أُمروا بالزاد ونودي فيهم بالرحيل، وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون0 وكان يقول: يا بن آدم: (السكين تشحذ والتنور يسجر، والكبش يعتلف)0

وقال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها، فإِنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إِلى قليل ولا كثير، وكان عون بن عبد الله يقول: ما أُنزل الموت كنه منزلته، ما قد غدا من أجلكم، مستقبل يوم لا يستكمله، وكن من مؤملٍ لغدٍ لا يُدركُه، إِنَّكم لو رأيتم الأَجَل ومسيره، بغضتم الأَمل وغروره0 وكان أبو بكر بن عياش يقول: لو سقط من أَحدهم درهمٌ لظل يومه يقول: إنا لله، ذهب درهمي وهو يذهب عمره، ولا يقول: ذهب عمري، وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات، ويحفظون الساعات، ويلازمونها بالطاعات0 فقيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنه ما مات حتى سرد الصوم0 وكانت عائشة رضي الله عنها تسرد، وسرد أبو طلحة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة، وقال نافع: ما رأيت ابن عمر صائماً في سفره ولا مفطراً في حضره0 قال سعيد بن المسيب: ما تركت الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة0 وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في ليلتين0 وكان الأسود يقوم حتى يخضر ويصفر، وحج ثمانين حجة0 وقال ثابت البناني: ما تركت في الجامع سادنة إلّا وختمت القرآن عندها0 وقيل لعمرو بن هانئ: لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف، إلّا ما تخطئ الأصابع0 وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها، وكان الليل كله يبكي فتقول له أُمه: يا بني قتلت قتيلاً، فيقول: أَنا أَعلم بما صنعت نفسي0 قال الجماني: لما حضرت أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته، فقال: لا تبك، وأشار إلى زاوية في البيت، إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة0 قال الربيع: وكان الشافعي رضي الله عنه يقرأ في كل شهر ثلاثين ختمة، وفي كل شهر رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلوات، واعلم أن الراحة لا تنال بالراحة، ومعالي الأُمور لا تنال بالفتور، ومن زرع حصد، ومن جد وجد0 لله در أقوام شغلهم تحصيل زادهم، عن أهاليهم وأولادهم، ومال بهم ذكر المال عن المال في معادهم، وصاحت بهم الدنيا فما أجابوا شغلاً بمرادهم، وتوسدوا أحزانهم بدلاً عن وسادهم، واتخذوا الليل مسلكاً لجهادهم واجتهادهم، وحرسوا جوارحهم من النار عن غيهم وفسادهم، فيا طالب الهوى جز بناديهم ونادهم:
أَحيَوا فُؤَادِي ولَكِنَّهم ... علَى صَيحَة من البين ماتُوا جميعاً
حرمُوا رَاحة النَّوم أَجفَانهم ... وَلَفُّوا علَى الزفرات الضُّلوعَا
طُول السَّواعد شُمُّ الأُنوف ... فطابُوا أُصُولاً وطَابُوا فُرُوعا
أَقبلت قلوبهم تراعى حق الحق فذهلت بذلك عن مناجاة الخلق0 فالأبدان بين أهل الدنيا تسعى، والقُلوب في رياض الملكوت ترعى، نازلهم الخوف فصاروا والهين، وناجاهم الفكر فعادوا، خائفين، وجَنَّ عليهم الليل فباتوا ساهرين، وناداهم منادى الصَّلاح، حىّ على الفلاح، فقاموا متهجدين، وهبت عليهم ريح الأَسحار فتيقظوا مستغفرين، وقطعوا بند المجاهدة فأصبحوا واصلين، فلمَّا رجعوا وقت الفجر بالأَجر بادى الهجر يا خيبة النائمين0

الفصل الرابع اذكُر المَوت
إخواني: أكثروا من ذكر هاذم اللذات وتفكروا في انحلال بناء اللذات، وتصوروا مصير الصور إلى الرفات، وأَعدوا عدةً تكفي في الكفات، واعلموا أن الشيطان لا يتسلط على ذاكر الموت، وإنما إذا غفل القلب عن ذكر الموت دخل العدو من باب الغفلة0 قال الحسن: إن الموت فضح الدنيا فلم يترك لذي لُب به فرحاً0 وقال يزيد بن تميم: من لم يردعه الموت والقرآن، ثم تناطحت عنده الجبال لم يرتدع0 سُئل ابن عياض عن، ما بال الآدمي تُستنزع نفسه، وهو ساكت، وهو يضطرب من القرصة؟ قال: لأن الملائكة توقفه0 يا بن آدم، مثل تلك الصرعة قبل أن تذر كل غرة فتتمنى الرجعة، وتسأَل الكرة، كَم من محتضر تمنَّى الصحة للعمل هيهات حقر عليه بلوغ الأَمل أَو ما يكفي في الوعظ مصرعه، أو ما يشفي من البيان مضجعه00 أما فاته مقدوره بعد إِمكانه00 أَما أنت عن قليل في مكانة0 ولَمَّا احتضر عبد الملك بن مروان قال: والله لوددت أنَّي عبد رجلٍ من تهامة أرعى غنيمات في جبالها وأني لم ألِ0 وجعل المعتضد يقول عند موته: ذهبت الحيل فلا حيلة حتى صمت0

وقال أبو محمد العجلي: دخلت على رجل في النزع فقال لي: سخرت بي الدنيا حتى ذهبت أَيامي، وفي الحديث: (أما إِنكم لو أَكثرتُم ذكر هاذم اللذات؟!)0 يا من قد امتطى بجهله مطايا المطالع، لقد ملأ الواعظ في الصباح المسامع؛ تالله لقد طال المدى فأَين المدامع؟ أَين الذين بلغوا المنى فما لهم في المنى منازع، رمتهم المنايا بسهامها في القوى والقواطع، فعلموا أن أيام النعم في زمان الخوادع، ما زال الموت يدور على الدوام حتى طوي الطوالع، صار الجندل فراشهم بعد أن كان الحرير فيما مضى المضاجع، ولقوا والله غاية البلاء في تلك البلاقع، جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا، وبنوا مساكنهم فما سكنوا، فكأَنهم بها ظعناً لما استراحوا ساعة ظعنوا0 لقد أُمكنتَ الفرصة أيها العاجز، ولقد زال القاطع وارتفع الحاجز، ولاح نور الهدى فالمجيب فائز، وتعاظمت الرغائب وتفاقمت الجوائر؛ فأَين الهمم العالية، وأَين النجائز؟ أَما تخافون هادم اللذات والمنى والمناجز0 أما اعوجاج القناة دليل الغامز0 أما الطريق طويل وفيه المفاوز0 أما عقاب العتاب تحوى الهزاهز0 أَما القبور قنطرة العبور فما للمجاوز0 أما يكفي في التنقيص حمل الجنائز0 أَما العدد كثير فأَين المبارز؟ أما الحرب صعب والهلك ناجز، والقنا مسوغ والطعن واجز، والأمر عزيز والرماح البوس نواكز0 تالله بطلت الشجاعة من بني العجائز، وتريد إِصلاح نادك والأمر ناشز0 إِن لم يكن سبق الصديق فليكن توبة ماعز0

الفصل الخامس ذِمّ الدُّنيا
أَيها العبد: تفكر في دنياك كم قتلت، وتذكر ما صنعت بأَقرانك، وما فعلت، واحذرها فإِنها عما لابد منه قد شغلت، وإِياك أن تساكنها فإِنها إِن حلت رحلت0 وروى عمار بن ياسر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (مرَّ بشاةٍ ميتةٍ قد ألقاها أهلها، فقال: والذي نفسي بيده إِنَّ الدنيا أهون على الله من هذه على أَهلها)0 وكان يقول في صفة الدنيا: (أَولها عناءٌ، وأخرها فناء0 حلالها حسابٌ وحرامها عقابٌ0 من استغنى بها فُتن، ومن افتقر إِليها حزن، ومن سعى لها فاتته، ومن نأى عنها أَتته، ومن نظر إِليها أعمته، ومن بصر بها بصرته)0 وصفها بعض العلماء، فقال: جمةُ المصائب، رتقةُ المشارب، لا تفي لصاحب0 وقال يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان: من شربها لم يفق إلا بين عساكر الموتى، نادماً بين الخاسرين قد ترك منها لغير ما جمع، وتعلق بحبل غرورها فانقطع، وقدم على من يحاسبه على الفتيل والنقير والقطمير، فيما انقرض عليه من الصغير والكبير، يوم تزل بالعصاة القدم، ويندم المسئ على ما قدم0 يا من حيات حياته بالآفات لوادغ، وأَغراضه المنقلبة إِليها منقلبة زوائغ، وشياطين هواه بينه وبين ما هو له نوازع، وسهام سهوه في لهو دينه بوالغ قد جرحت الحجر على قلبه فأنساه الحجر الدامغ، إن وعظ فساه، وإن قوم فزائغ، قلبه ملآن بالهوى، ومن التقى فارغ كأني بك، وسيف الممات في دم الحياة والغ، نازلك فانزلك بالنوى عن الأعالي النوابغ، وتقضي التيامن نبات سلب الحلى الصايغ، ومر إليك فمر عليك الشراب السايغ، وطمس شموس عزك المنيرات النوازغ وخرق دروع المنيعات السدايغ، أين من جمع الأموال وحماها، واهاً لمن جمعها واقتناها، تناهى أجله وما تناهى، كم سلبت الدنيا أقواماً أقواماً كانوا فيها وعادت عزهم أحلاماً أحلاماً، فتفكر في حالهم كيف حال، وانظر إلى من مال إلى مال، وتدبر أحوالهم إلى ماذا آل، وتيقن أنك لاحق بهم بعد ليال، عُمرك في مدةٍ ونفسك معدود، وجمسك بعد مماتك مع دود، كم أمّلت أملاً فانقضى الزمان وفاتك، وما أراك تفيق حتى تلقى وفاتك، فاحذر زلل قدمك، وخف طول ندمك، واغتنم وجودك قبل عدمك، واقبل نصحى لا تخاطر بدمك0

الفصل السادس قُمِ الليلَ واترك التكاسل
لله در أقوام هجروا لذيذ المنام وتنصلوا لما نصبوا له الأقدام، وانتصبوا للنصب في الظلام، يطلبون نصيباً من الإنعام، إِذا جنّ الليل سهروا، وإذا جاء النهار اعتبروا، وإذا نظروا في عيوبهم استغفروا، واذا تفكروا في ذنوبهم بكوا وانكسروا0 قال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بقيام الليل فإِنه دأب الصالحين قبلكم، وإنه قربة إلى ربكم، ومغفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم)0

وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، ورجل غزا في سبيل الله فانهزموا فعلم ما عليه في الفرار وما له في الرجوع فرجع حتى أهريق دمه)0 قال أبو ذر رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي صلاة الليل أفضل؟ قال: نصف الليل وقليل فاعله)0 قال داود عليه السلام: يا رب، أي ساعة أقوم لك؟ فأوحى الله إليه: يا داود، لا تقم أول الليل ولا آخره، ولكن قم في شطر الليل حتى تخلو بي وأخلوا بك، وارفع إِلىّ حوائجك)0 وروى عمر بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإِن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة؛ فكن)0 كان همام بن الحارث يدعو: اللهم ارزقني سهراً في طاعتك، فما كان ينام إِلا هنيهة وهو قاعد، وكان طاوس يتقلب على فراشه ثم يدرجه ويقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين0 وقال القاسم بن راشد الشيباني: كان ربيعة نازلاً بيننا، وكان يصلي ليلاً طويلاً، فإِذا كان السحر نادى بأَعلى صوته: يا أيها الركب المعرّسون: أهذا الليل تنامون، ألا تقومون فترحلون، قال: فيسمع من ههنا باك ومن ههنا داع0 فإِذا طلع الفجر نادى بأَعلى صوته: عند الصباح يحمد القوم السرى0 وكان كهمس يختم في الشهر تسعين ختمة0 قال الضحَّاك: أدركت قوماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الضجعة0 يا منازل الأحباب: أين ساكنوك؟ يا بقاع الإِخلاص: أين قاطنوك؟ يا مواطن الأَبرار: أَين عامروك؟ يا مواضع التهجد: أين زائروك؟ خلت والله الديار، وباد القوم، وارتحل أرباب السهر وبقي أهل النوم، واستبدل الزمان أكل الشهوات يا أهل الصوم:
كَفَى حَزَناً بِالوَالِهِ الصَّبّ أَن يَرى ... منازِلَ مَن يَهوى معطلة قفرا
لله درّ أقوام اجتهدوا في الطاعة، وتاجروا ربهم فربحت البضاعة، وبقي الثناء عليهم إلى قيام الساعة، لو رأيتهم في الظلام وقد لاح نورهم، وفي مناجاة الملك العلام وقد تم سرورهم فإِذا تذكروا ذنباً قد مضى ضاقت صدورهم، وتقطعت قلوبهم أسفاً على ما حملت ظهورهم، وبعثوا رسالة الندم والدمع سطورهم0
ولَمَّا وقَفنا والرسائلُ بينَنا ... دموعٌ نَهاها الواجدون توقفا
ذكرنا اللَّيالي بالعَقيقِ وظِلَهُ ... الأَنيق فقطعنا القلوبَ تأسفا
نسيم الصِّبا إِن زُرتَ أَرضَ أَحِبتي ... فخَصَهُم منِّي بكُلِ سلام
وبَلِغهُم أَني بُرهَن صَبابةٍ ... وأَن غَرامي فَوقَ كُلَ غَرامِ
وإِني ليَكفيني طُروقُ خيالِهم ... لَو أَنَ جُفوني مُتعت بمنام
ولَستُ أُبالي بالجنان ولا لظى ... إِذا كانَ في تِلكَ الديارِ مقامي
وقَد صُمتُ مِن أَوقات نَفسي كُلَها ... ويَوم لِقاكُم كانَ فطر صيامي
جال الفكر في قلوبهم فلاح صوابهم، وتذكروا فذكروا كذكر إعجابهم، وحاسبوا أنفسهم فحققوا حسابهم، ونادموا للمخافة فأصبحت دموعهم شرابهم، وترنموا بالقرآن فهو سمرهم مع أترابهم، وكلفوا بطاعة الإله فانتصبوا بحرابهم، وخدموه مبتذلين في خدمته شبابهم، فيا حسنهم وريح الأسحار قد حركت أثوابهم، وحملت قصص غصصهم ثم ردت جوابهم0

الفصل السابع
اندم على ذنوبك أيها العبد: تفكر في عُمر مضى كثيره، وفي قدم ما يزال تعثيره، وفي هوى قد هوى أسيره، وفي قلب مشتت قد قل نظيره، وتفكر في صحيفة قد اسودت، وفي نفس كلما نصحت صدت، وفي ذنوب ما تحصى لو أنها عدت0 قال أبو الدرداء رضي الله عنه: تفكر ساعة خير من قيام ليلة0 وقال أبو يوسف بن أسباط: الدنيا لم تخلق لتنظر إليها، وإنما خلقت لتنظر بها إلى الآخرة0 وكان سفيان الثوري من شدة تفكيره يبول الدم0 وقال أبو بكر الكتاني: روعة عند انتباه من غفلة، وانقطاع عن حظ نفس، وارتعاد من خوف قطيعة، أفضل من عبادة الثقلين0

وقال يحيى بن معاذ: لو سمع الخلائق صوت النائحة على الدنيا في الغيب من ألسنة الفنا تساقطت القلوب منهم حزناً، ولو رأت القلوب بعين الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس خوفاً0 ولو رأت القلوب بعين الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس خوفاً0 ولو أدركت القلوب كنه محبة خالقها لتخلعت مفاصلها ولهاً، ولطارت الأرواح من أبدانها دهشاً0 سبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأنباء0 يا ذاهباً في شططه، يا واقفاً مع غلطه، يا معترضاً لعقوبة الأحد، ما سخطه؟ يا معرضاً عن الاعتبار سمعه، يا مطلقاً لسانه في غلطه، يا من لا يفرق بين صحيح القول وسقطه، أما له عبرة بقرطبة؟ أما هناك استدراك لفارطه، إلى متى على قبيح غطه؟ هلا عبأ متاعه في سقطه، ألا حذر من في يد طاهي، كلا لو صحا لاتعظ وأثر فيه اللوم وازدجر، لكنه في غاية الغلظ، أفسدته المعاصي فلم يظهر الشيب، وانقرض لا يلتفت إلى من لام ولا من وعظ، سيندم على تضييع ما كان احتفظ، سيفر العلاج إذا زادت الكظظ، سيخرس لسان طال ما لفظ، من لم يبق من عمره إلا الأمل، وهو للوزر العظيم قد حمل وأثقل، سيعرض عليك من المعاصي مما دق وجل، تراعى الخلق وتنسى حقه عز وجل، قد سود صحيفته وملأها من قيح العمل، حملت عليه الأمانة فتغافل عنها وضلَّ، يدعى إلى الاستقامة، ولكما قوم ذل، لا يعرف ولا يقبل، قد حله رحلة، نحلة مناحلها من حل، قد غره مكر سوف، وأوثقه قيد لعلَّ، إلام تمنى النفس ما لا تناله؟ وتذكر عيشاً لم يعد متصرماً، وقد قالت السبعون للهرى: دعاني لشأني واذهبا حيث شئتما0

الفصل الثامن
امقت نفسك وازدرها إخواني: من تفكر في ذنوبه تاب ورجع، ومن تذكر قبيح عيوبه ذل وتواضع، ومن علم أن الهوى يسكن تصبر، ومن تلمح إساءته لم يتكبر0 كان يزيد الرقاشي يقول: والهفاه، سبق العابدون وقطع بي، وكان قد صام أثنين وأربعين سنة0 وقال حذيفة المرعشي: لو أصبت من يبغضنى حقيقة، لأوجبت على نفسي حبة0 فيا أيها العبد، عُد على نفسك باللوم والمقت، واحذرها، فكم ضيعت عليك من وقت؟ واندم على زمان الهوى، فمن كيسك أنفقت، ونادها يا محل كل بلية فقد والله صدقت0 وروى وهب بن منبه: أن رجلاً صام سبعين سنة يأكل كل سنة إحدى عشرة تمرة، وطلب حاجة من الله فلم يعطها، فأقبل على نفسه فقال: من قبلك بليت، لو كان فيك خيراً أعطيت، فنزل إليه ملك فقال: إن ساعتك هذه التي ازدريت فيها على نفسك خير من عبادتك، وقد أعطاك الله حاجتك0 وقال فضيل بن عياض: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي، فقلت له: إن كنت تظن أنه قد بقي على وجه الأرض شر مني ومنك، فبئس ما ترى0 وقال رجل لأبي الحسن الموسمى: كيف أنت؟ فقال: خفيت أضراسي من أكل نعمة، وكل لساني من كثرة ما أشكوه0

يا واقفاً مع هواه وأغراضه، يا معرضاً عن ذكر عوارضه إلى أعراضه، يا غافلاً عن الموت وقد جد بمقراضه؛ وعلم اندباغ عمر أغراضه، سيعرف خبره إذ أحاط به أشد أمراضه وأخرج من خرات الديار وروضه، وألقى في لحد وحيد يخلو برضراضه، وعلم أنه باع أغراضه، يا من بالهوى كلامه وحديثه، وفي المعاصي قديمه وحديثه، وعمره في خطايا خفيفه وأثيثه، من له إذا ألحد في قبره من يغيثه، من له إذا حامت حول حماه الردى ليوثه، من له من كرب لا يرحم عطاشه، من له من جحفل لا يهدم كباشه، من له من لحدٍ لا يدفع حشاشه، من له من جدث عمله في فراشه، من له من قبرٍ فعل فيه معاشه، من له من موقف لا يرد بطاشه، من له يومئذ، ولا يقوى نجاشه، من له من حساب عقاب رذاذه يردى ورشاشه، من يخلصه اليوم من هوى قد أسرته رشاشه، كم عاهد ونكث، كم آثر الهوى وعبث، كم غره غرير بالسحر قد نفث، تالله لقد بولغ في توبيخه وما أكترث، ولقد بعث إليه، ولقد بعث إليه النذير وما يرى من بعث، قلبه مشغولٌ بالهوى ولسانه بالرفث، كلما أصبح معاهداً وأمسى نكث، ظاهر صحيح وباطن قبيح خبيث، سيندم يوم الضريح من القبيح حرث، سيبكي ندمان الهوى يوم الظمأ عند اللهث، سيعرف حيرة المعاصي إذا حل الحدث، سيرى سيره إذا ناقش السائل أو بحث، سيفرغ السن ندماً إذا نادى ولم بعث، عجباً لجاهل باع تعذيب النفوس براحات الجثث، القلب أسير بالحزن، والدمع غزير بالشجن، والفكر يذيب القلب، فما مثل الفكر على البدن؟!، كم بت ودمعي منهم لو يذرأ في وجدى ثمن؟ واهاً لزمان طاب لنا وما أسرع ما ولى وفنى، ما غردت الوراقى على غصن إلا وأهاجت حزني، يا عيني أعيني قلباً قلقاً بالدمع؛ ليطفئ نار الشجن أصبحت أسيراً في خطئي، وذنوبي قد ملأت بدني، أبكي زللي أبكي خللي، أبكي عملي كي يرحمني، من لي يوم الشدة ينقذني، من كرب الموت يخلصني، ونزلت وحيداً في جدث، قفر وكأني من لبن، أين الأقران وما قرنوا؟ بالموت جميعاً في قرن، كم سرت على ربع لهم، وأطلت مسائلة الزمن يا دار حبيبي: أين هم عهدي بهم قبل المحن؟ قالت لي دارهم: دارت بهم أماني الزمن، أسرتهم قوة فهم أسراء الحيرة والحزن، تركوا المال لغيرهم، ولم يصحبهم غير الكفن، تالله لقد سئلوا عما قد كانوا فيه من الفتن، فتيقظ قبل لحاقهم، من طول الرقدة والوسن0

الفصل التاسع
سارع إلى الجنة إخواني: لقد خاب من باع باقياً بفان، وخطر في ثوبي متوان، وتغافل عن أمر قريب كان، وضيع يوماً موجوداً في تأميل ثان، أما الجنة تشوقت لطالبيها، وتزينت لمريديها، ونطقت آيات القرآن بوصف ما فيها، وملأت أسماع العباد أصوات واصفيها، كأنكم بالجنة وقد فتحت أبوابها، وتقسمها يوم القيامة أصحابها، وغنت ألسن الأماني قريب قبابها0
بُشرَها دَليلَها وقالا: ... غَداً تَرينَ الطَلحَ والجِبالا
روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: (قلنا: يا رسول الله، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب ولبنة من فضة: ملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها الياقوت والجوهر، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا ييأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)0 روى أُسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوماً: (ما ذكر الجنة إلا مشمر إليها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، ونهر مطروز، وزوجة لا تموت، وحبور ونعيم، مقام أبداً، فقالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، فقال: قولوا: إن شاء الله)0 روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، وإن جنة الفردوس، وسطها وأعلاها سماء، وعليها يوضع العرش يوم القيامة، ومنها تفجر أنهار الجنة، قال رجل: فداك أبي وأمي يا رسول الله، فيها خيل؟ قال: نعم، والذي بعثني بالحق إن فيها لخيلاً من ياقوت أحمر، يروث بين خلال ورق الجنة، يتراءون عليها، فجاء رجل فقال: بأبي وأمي فداك، هل فيها صوت؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن الله عز وجل يوحى إلى شجرة في الجنة أن أسمعي عبادي الذين شغلهم ذكري في الدنيا عن عزف المزاهر والمزامير بالتسبيح والتقديس)0

يا نفس: بادري بالأوقات قبل انصرامها، واجتهدي في حراسة ليالي الحياة وأيامها، فكأنك بالقبور وقد تشققت وبالأمور وقد تحققت، وبوجوه المتقين، وقد أشرقت، وبرءوس العصاة وقد أطرقت0 يا نفس: أما الورعون فقد جدلوا، وأما الخائفون فد استعدوا، وأما الصالحون فقد راحوا، وأما الواعظون فقد صاحوا0 يا نفس: اتعبي قليلاً تستريحي في الفردوس كثيراً، كأنك بالتعب قد مضى، وبحرصك من اللعب قد مضى، وثمر الصبر قد أثمر حلاوة الرضا، لا يطمعن البطال في إدراك الأبطال، هيهات أن يدرك البطل المجتهد من غاب حين النزال فما شهد حفت الجنة بالمكاره فلا يوصل إليها إلا بالمضض، كذلك كل محبوب يلذ، وكل عرض من غير مشقة، وإلا، متى لم يبعد على طالبٍ المشقة: العلم لا يحصل إلا بالنصب، والمال لا يجمع إلا بالتعب، واسم الجواد لا يناله بخيل، ولا يلقب بالشجاع إلا بعد تعب طويل0
لَولا المشَقَة سادَ الناس كُلَهُم ... الجود يفقر والإِقبالُ قتَّالُ
أيها العبد: إن عزمت فبادر، وإن هممت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر، من كان في الصف الآخر0 سلع المجد كاسدة، وكأن قد غلت، ومراعى الفضل قريبة، وكأن قد علت، وكأنك بغايات الغفلات قد انجلت، فأصبحت حلاوة البطالة من أفواه الغافلين قد رحلت، وأصبحت رايات المجاهدين قد حلت، وتفاوت في السباق مضمار وبطين، كما تفاوت في الإحراق ماء وطين0
لا تَحسَبَ المجدَ تَمراً أَنتَ آكِلُهُ ... لا تَبلُغ المجدَ حَتى تَلعَق الصَبرا
فاصبر للبلايا فحينها يسير، وأثبت للرزيا فأجرها كثير، وأحسن قرى ضيف الهم بالصبر الغزير، وتجلد على الظمأ فبين يديك ماءٌ غيرٌ0
لا تجزَعَّنَ مِنَ المَنايا إِذا أَتَت ... واصبِر لِما تأَتي بِهِ الأَقدارُ
وغَدا الصَبور يَجُرُّ ذيلَ سُرورِه ... في جَنَّةٍ مِن تحتِها الأنهَار
فكأَن قَد انكشَفَت غيايات البلا ... وانجابت الآفات والأَكدار
وجَرى الجَزوعُ لِما جَنَى ثَمَرَ الأَسَى ... فجَرى بِلَا أَجر لَهُ المِقدار
إِنِّي رأَيتُ معاشِراً لَم يفهموا ... مَعنى الوجود فأَصبَحوا قَد حاروا
دُنياكَ دارٌ للبَلايا مهَّدَت ... ووراء ذَلك إِن عقلت نهار

الفصل العاشر
جاهد نفسك أيها العبد: حاسب نفسك في خلوتك، وتفكر في انقراض مدتك، واعمل في زمان فراغك لوقت شدتك، وتدبر قبل الفعل ما يملى في صحيفتك، وانظر: هل نفسك معك أو عليك في مجاهدتك، لقد سعد من حاسبها، وفاز والله من حاربها، وقام باستيفاء الحقوق منها وطالبها، وكلما ونت عاتبها، وكلما تواقفت جذبها، وكلما نظرت في آمال هواها غلبها0 قال عليه الصلاة والسلام: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني)0 وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وطالبوا بالصدق في الأعمال قبل أن تطالبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً؛ وتزينوا للعرض الأكبر: (يَومَئِذٍ تُعرَضُونَ لَا تَخفَى مِنكُم خَافِيَةٌ)0 وقال الحسن البصري رحمة الله: (أيسر الناس حساباً يوم القيامة الذين حاسبوا أنفسهم لله عز وجل في الدنيا فوقفوا عند همومهم وأعمالهم، فإن كان الدين لله هموا بالله وإن كان عليهم أمسكوا، وإنما يثقل الحساب على الذين أهملوا الأمور، فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر فقالوا: (يَا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرةً إِلَّا أَحصَاها))0 وقال أبو بكر البخاري: (من نفر عن الناس قل أصدقاؤه، ومن نفر عن ذنوبه طال بكاؤه، ومن نفر عن مطعمه طال جوعه وعناؤه، ونقل توبة بن المعلم أنه نظر يوماً وكان محاسباً لنفسه، فإذا هو ابن ستين إلا عاماً، فحسبها أياماً، فإذا هي إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي! ألقى المليك بإحدى وعشرين ألف ذنب وخمسمائة ذنب، فكيف ولى في كل يوم عشرون ألف ذنب؟ ثم خر مغشياً عليه فإذا هو ميت، فسمعوا هاتفاً يقول: يا لها من ركضة إلى الفردوس الأعلى0

إخواني: المؤمن مع نفسه لا يتوانى عن مجاهدتها، وإنما يسعى في سعادتها، فاحترز عليها واغتنم لها منها، فإنها إن علمت منك الجد جدت، وإن رأتك مائلاً عنها صدت، وإن حثها الجد بلحاق الصالحين سعت وقفت، وإن توانى في حقها قليلاً وقفت، وإن طالبها بالجد لم تلبث أن صفت وأنصفت، وإن مال عن العزم أماتها، وإن التفت عربدت، من صبر على حر المجلس خرج إلى روح السعة، من رأى التناهي في المبادي سلم، ومن رأى التناهي هلك؛ لأن مشاهدة التناهي تقصير أمله، ومشاهدة المبادي في التناهي تسوف عمله، وفي الجملة: من راقب العواقب سلم0 يا هذا: هلال الهدى لا يظهر في غيم الشبع، ولكن يبدو في صحو الجوع وترك الطمع، واحذر أن تميل إلى حب الدنيا فتقع، ولا تكن من الذي قال: سمعت وما سمع، ولا ممن سوف يومه بغده فمات ولا رجع، كلا ليندمن على تفريطه وما صنع؛ وليسألن عن تقصيره في عمله وما ضيع، فيا لها من حسرة وندامة وغصةٍ تجرع، عند قراءة كتابه وما رأى فيه وما جمع، فبكى بكاء شديداً فما نفع، وبقى محزوناً لما رأى من نور المؤمن يسعى بين يديه وقد سمع، فلا ينفعه الحزن ولا الزفير ولا البكاء ولا الجزع0

الفصل الحادي عشر
احذر النار إخواني: لقد خاب من آثر شهوة من حرام، فإن عقباها تجرع حميم آن، وخسر - والله - من أطلق نفسه فيما تريد، بعد أن سمع الزبانية وأغلال الحديد، وهلك كل الهلك وبار كل البوار؛ من اشترى لذة ساعة بعذاب النار0 قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة)0 وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ناركم هذه مما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءاً من جهنم)0 وروى ابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها)0 وقال وهب بن منبه: إذا سيرات الجبال، فسمعت حسيس النار، نقيضها وزفيرها وشهيقها، صرخت الجبال كما تصرخ النساء، ثم يرجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضاً0 وفي المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يعظم أهل النار حتى إن بين شحمة أُذن أحدهم وعاتقه سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعاً، وإن ضرسه مثل أحُد)0 وروى الزهري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيلهب ما في جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان)0 وقال أبو موسى: أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت0 لله در أقوام أذهبوا أعمارهم في طلبي وأتعبوا أعضاءهم في فرضي وواجبي وقطعوا قواطعهم لأجلِ التعلق بي، وحلموا عن الجهال خوفاً من غضبي، فإذا مروا على النار، قالت: جرياً يا مؤمن قد أطفأ نورك لهبي0 إذا رأت النار من جاهد بالخير، وما خافت خافت، وإذا شاهدت نفوساً طال ما صافت صافت، وإذا عاينت أجساماً ما نبتت من الحرام وعافت عافت0 هلا تشبهت يا هذا بهؤلاء القوم، هلا تنبهت من هذا الرقاد والنوم، وأنت وقت العشاء نائم، وقلبك في حب شهوات البهائم هائم، قل للذي ألجأه عاجل لهوه عن حظه، يحكى البهائم هائماً: أمسنا الفنا، خذ حكمة تخصنا بها؛ فانظر ولا تبغ الفنا يا نائم، يا هذا: المحب يُطرَدُ فلا يزول وأنت تُدعى فلا تجب0 كم ليلة ينادى - وأنت غائب - : هل من سائل؟ هل من تائب؟
فَإِن تَمَنَعوا منِّي السَّلامُ فإِنَني ... لَغَادٍ عَلى حِيطَانِكُم فُمُسَلِّمُ
رحم الله عظماً طالما نصبت وانتصبت، فإذا جن الليل عليهم فتمكن وثبت وثبت، إن ذكرت عدله رهبت وهربت، وإن تفكرت فضله فرحت وطربت، اعترف عن طاعته أنها قد أذنبت، وقامت شاكرة لمن جمعها على إحسانه فنبت، لاحت لها ذنوبها فبكت عليها وندبت وصاحت بها ألسن الغفران؛ فاهتزت وربت:
قِف بالدِيار فَهَذهِ آثارُهُم ... تَبكي الأَحِبَّةَ حَسرَةً وتشوُّقاً
كَم قَد وقَفتُ بِها أُسائلُ مُخبِراً ... عَن أَهلِها أَو صادِقاً أَو مُشفِقاً

فأَجابَني داعي الهَوى في رسمِها ... فارقتُ مَن تَهوى فعَزَّ المُلتَقى
طَرَقَ الخيال وقال لي يا مُدَّعي ... أَتَنَامُ بَعدَ فراق جيران اللقى؟
وحياتُكُم قسماً بأَني صادق ... لا طاب لي من بعد كم فيكم بقا
يا سادة مذ حملوا أَجمالهم ... ما أَورثوني بعدهم إِلَّا الشقا
أترى الأرض خلت منهم أم لم ترهم، كلَّا لو وصفت أعمالهم عرفناهم، أما الأحياء منهم، فالقطرة تجري مجراهم، أما أمواتهم فمعنى الأحبار معناهم0 قف يا هذا على قبورهم ونادهم، واستنشق ريح فضلهم، فهل المعاني في اجتهادهم ضائر الريحان معهم في وسادهم:
كَم قد وقَفتُ وأَحبابي بمَنزِلةٍ ... تَبيتُ يقظاناً ولهَاناً وأَهلاناً
فهاجها حين حيَّانا النَسيمُ بِما ... سَقيا وأَلقى بالجرع حينا
نَبكي فَيُسعِدُونا كورُ المطي فَهل ... نَحنُ المُشَوَّقُون فيها أَم مطايانا
ولا مَن قَطَّر الأَشياءَ ما وجَدت ... كوجدنا العيس بل رقت لشكوانا

الفصل الثاني عشر
عليك بالخوف من الله إخواني: من علم عظمة الإله زاد وجله، ومن خاف نقم ربه حسن عمله، فالخوف يستخرج داء البطالة ويشفيه، وهو نعم المؤدب للمؤمن ويكفيه0 قال الحسن: صحبت أقواماً كانوا لحسناتهم أن تُردَّ عليهم أخوف منكم من سيئاتكم أن تعذبوا بها0 ووصف يوسف بن عبد المحسن فقال: كان إذا أقبل كأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس كأنه أسير من يضرب عنقه، وإذا ذكرت النار فكأنما لم تخلق إلا له0 وكان سميط إذا وصف الخائفون يقول: أتاهم من الله وعيد وفدهم، فناموا على خوف وأكلوا على تنغصٍ0 واعلم أن خوف القوم لو انفرد قتل، غير أن نسيم الرجاء يروح أرواحهم، وتذكر الإنعام يحيى أشباحهم0 ولذلك روى: (لَو وُزِنَ خَوفُ المؤمن ورجَاؤه لاعتدلا)0 فالخوف للنفس سائق، والرجاء لها قائد، إن ونت على قائدها حثها سائقها، وإن أبت على سائقها حركها قائدها مزيح الرجاء يسكن حر الخوف، وسيف الخوف يقطع سيف - سوف - وإن تفكر في الإنعام شكر وأصبح للهم قد هجر، وإن نظر في الذنوب حذر، وبات جوف الليل يعتذر، وأنشد:
أَظلَت عَلينا مِنكَ يوماً سَحابةً ... أَضَاءَت لَنا برقاً وأَمطَرتنا
فَلا غيمَها فيائسٌ طامعٌ ... ولا غَيثَها باقي، فيروى عطاشها

الفصل الثالث عشر
عليك بحب الله إخواني: الموت في طريق الطلب: خير من العطب في طريق البطالة، ما هذا؟! أدم السهر والصوم، وخل لأربابه طول النوم، وشمر في لحاق القوم، فإذا وصلت إلى دوائك: أنخت بجناب (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُم قَدَمَ صِدقٍ عِندَ مَلِيكٍ مقتَدِرٍ)0 يا هذا: عليك بإدمان الذكر، لعل ذكرك القليل ينمى ذكره الجليل (وَلَذِكرُ اللَهِ أَكبَرُ)؛ أنا جليس من ذكرني0 لا تعجز عن حفر ساقية وإن ربت، فإنك إذ ألحقتها بساحل البحر فاض من ماء البحر إليها فصارت دجلة، أخلص في ذكرك لعله يذكرك0 روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له: حمدان، فقال صلى الله عليه وسلم: (سيروا سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)0 روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول: (أَنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)0 وقال أبو الدرداء: الذين ألسنتهم رطبة بذكر الله تعالى يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك0 يا هذا: من علامات المحب انزعاجه عند ذكر محبوبه0 لو أحببت شخصاً من أهل الدنيا فسمعت باسمه لانزعج باطنك، أما سمعت أن مجنوناً أحب مخلوقاً فلما ذكر انزعج، فقال:
ودَاعٍ دَعا إِذ نَحنُ بالخيف من مني ... فَهَيَّج أَحزان الفؤاد ولَم يدر
دعا بإِسم ليلى غيرها فكأَنما ... أَطار بقَلبي طائِراً كانَ في صَدري

وهذا ذكر الله يُتلى عليك وما تتغير، وكم تسمع من أوامره ونواهيه ولا تتدبر، وقد يسره الكريم على من اجتهد فيه، وما عسر، وكم من نظر فيه حقيقة النظر وتبصر، وعمل ما أمره وترك ما نهى عنه في العمل والقول وتحرر، وكلما نظر في عمله رأى أنه مقصر فيه تفكر، لا يلتذ بطعام ولا شراب ولا نوم إلا ذكر وتذكر، أما سمعت قوله في الكتاب العزيز مسطراً إخباراً عنهم في ذكرهم له قولاً بليغاً مفسر: (إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَهُ وَجِلَت قُلُوبُهُم) (وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابُهم) فشكرهم على ذلك وستر، بأنه راض عنهم يوم تشقق السماء وتتفطر: (يُنَبَّؤُا الإِنسَانُ يَومَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) ويبقى العاصي نادماً على تفريطه مُحسر، مثقل بحمل خطاياه وفي ذيل ذنوبه معثر، فإذا دعي لقراءة كتابه رأى ما فيه من السيئات تحير ويرى غيره قد أمر به إلى النار مسحوب مجرجر، فيندم فلا ينفع، ويبكي فلا يُسمَعُ ولا يُرحم، ولا يعذر، فالعذاب الشديد لمن كد وطغى وتجبر، ونصحتك، فالتوبة التوبة00 فعسى بعد الكسر تجبر، فهو المعين لمن لجأ إليه، فله الحمد على ما قضى وقدر0

الفصل الرابع عشر
تفاوت النفوس في الخير والشر روى أبو موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله خلق آدم من قبضة قبضت من جميع الأرض، فجاءوا بنوا آدم على قدر الأرض: منهم الأبيض، والأحمر، والأسود، وبين ذلك، والخبيث، والطيب، والسهل، والحزن وبين ذلك)0 وجاء في حديث آخر: (إن الله خلقهم في ظلمة، فرش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل)0 فهذا يدل على أن من خلق من الصفا صفا له، ومن خلق من الكدر كدر عليه فلم يصلح للقرب والرياضة، وإنما يصلح عبد نجيب0 خلق إبليس من ماء غير طاهر، فكانت خلعة العبادة عليه عارية، فسخن ماء معاملته بإيقاد نار الخوف، فما أعرض عنه الموقد عاد إلى برودة الغفلة0 وخلق عمر من أصل نقي، فكانت أعمال الشرك عليه كالعارية، فلما عجب نيران حمية الجاهلية أثرت في طبعه إلى أن فنى مدد حظها بفناء مدة تقدير إعراضه، فعاد سخنه إلى برد العرفان:
وكلُّ إِلى طَبعِهِ عَائِدُ ... وَإِن صَدَّهُ الصَّدُّ عن قصدِهِ
كَما أنَّ الماءَ من بعدِ إِسخانه ... سريعاً يعود إِلى بَردِهِ
يا هذا: لاحت عقبة المعصية لآدم وإبليس، فقال لهما لسان الحال: لابدّ من سلوكها، فسلكا يتخبطان في ظلامها؛ فأما آدم فانكسر قلبه في طريقه، وبكى لصعوبة مضيقه، فهتف به هاتف اللطف: لا تجزع أنا عند المُنكَسِرَةِ قلوبهم من أجلي؛ وأما إبليس فجاء ضاحكاً معجباً بنفسه، فثار الكبر من قلبه، فتكاثرت ظلمة طريقه، فلما ارتفعا إلى رأس العقبة ضرب (بَينَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَابُ)، فقال إبليس: يا آدم كنا رفيقين في عقبة المعصية، فكيف افتراقنا؟ فنادى منادى الأزل: نحن قَسَمنَا0

الفصل الخامس عشر
روض نفسك

يا هذا: طهر قلبك من الشوائب، فالمحبة لا تلقى إلا في قلبٍ طاهر، أما رأيت الزارع يتخير الأرض الطيبة ويسقيها ويرويها ثم يثيرها ويقلبها، وكلما رأى حجراً ألقاه، وكلما شاهد ما يؤذى نجاه، ثم يلقى فيها البذر ويتعاهدها من طوارق الأذى؟ وكذلك الحق عز وجل إذا أراد عبداً لوداده حصد من قلبه شوك الشرك، وطهره من أوساخ الرياء والشك، ثم يسقيه ماء التوبة والإنابة، ويثيره بمسحأة الخوف والإخلاص، فيستوي ظاهره وباطنه في التقى، ثم يلقى فيه بذر الهدى، فيثمر حب المحبة، فحينئذ تحمد المعرفة وطناً ظاهراً، وقوتاً طاهراً، فيسكن لب القلب، ويثبت به سلطانها في رستاق البذر، فيسري من بركاتها إلى العين ما يفضها عن سوى المحبوب، وإلى الكف ما يكفها عن المطلوب، وإلى اللسان ما يحبسه عن فضول الكلام، وإلى القدم ما يمنعه من سرعة الإقدام، فما زالت تلك النفس الطاهرة رائضها العلم، ونديمها الحلم، وسجنها الخوف، وميدانها الرجاء، وبستانها الخلوة، وكنزها القناعة وبضاعتها اليقين، ومركبها الزهد، وطعامها الفكر، وحلواها الأنس، وهي مشغولة بتوطئة رحلها لرحيلها، وعين أملها ناظرة إلى سبيلها، فإن صعد حافظاها، فالصحيفة نقية، وإن جاء البلاء فالنفس صابرة تقية، وإن أقبل الموت وجدها من الغش خلية، فيا طوبى لها إذا نوديت يوم القيامة: (يأَيَّتُهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ ارجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرضِيَّة)0

الفصل السادس عشر
خالف هواك لله درُّ نفس تطهرت من أجناس هواها، وتجلببت جلباب الصَّبر عند دنياها، وشغلها ما رأى قلبها عما رأت عيناها، وإن مالت إلى الدنيا نهاها نُهاها، وإن مالت إلى الهوى شفاها شفاها، سهرت تطلب رضى المولى فرضى عنها وأرضاها، وقامت سوق المجاهدة على سوق هداها، فباعت حرصها بالقناعة فظفرت بغناها، وفوقت سهام العزائم إلى أهداف المحارم تبتغي علاها، ورمت نجائب الأسحار فساقها حادى الاستغفار إذ عناها؛ وقطعت بيداء الجد بآلة المستعد فبلغت مُنَاها، فمن أجلها ينزل القطر وينبت الزرع من جزاها، ولولاها لم تثبت الأرض بأهل دنياها0
وما أعطَى الصَبابَة ما استَحقَت ... عَليهِ ولا قَضَى حق المنازل
ملاحظها بعين غُرِّى غَيرِى ... وزائراها بجسم غير ناحل

الفصل السابع عشر
تبصر في نفسك يا من نسي العهد القديم وخان، من الذي سواك في صورة الإنسان من الذي غذاك في أعجب مكان؟ من الذي بقدرته استقام الجثمان؟ الذي بحكمته أبصرت العينان؟ من الذي بصنعته سمعت الأذنان؟ من الذي وهب العقل فاستبان للرشد وبان؟ من الذي بارزته بالخطايا وهو يستر العصيان؟ مَنِ الذي تركت شكره فلم يؤاخذ بالكفران؟ إلى كم تخالفني وما يصبر على الخلاف الأبوان، وتعاملني بالغدر الذي لا يرضاه الإخوان، وتنفق في خِلافي ما عَزَّ عِندك وهان، ولو علم الناس منك ما أعلم: ما جالسوك في مكان، فارجع إليَّ في ذلك فأنا المعروف بالإحسان:
نَقِّل فُؤَادَكَ حيثُ شئتَ مِن الهوى ... ما الحبُّ إِلَّا لِلحَبِيب الأَوَّلِ
كَم مَنزِلٍ في الأَرض يَألَفُهُ الفَتَى ... وحنينه أَبداً لِأُوَّلِ مَنزِلِ
يا مبارزاً بالقبيح مهد عذرك، يا مواصلاً نقض العهود جانب غدرك، يا مديماً للتواني تدبر أمرك، يا مؤثراً ما يفني على ما يبقى خالفت خبرك، يا لاهياً في أيام العوافي والله ما تترك، يا واقفاً مع الأماني ضيعت عمرك، يا فارحاً بقصره تذكر قبرك، يا حاملاً أثقال الذنوب هلا خففت ظهرك؟ سار الصالحون إلى ذكرنا وآثرت هجرك، وسمعت سيرهم وضيعت أجرك0 إن أردت صحبة المتقين فاشرح لليقين صدرك، وإن أحببت حلاوة العواقب فاستعمل صبرك، إن حلا شراب مناجاتنا فبدد خمرك، إن طاب لك سماع ذكرنا فاكسر زمرك، اعتبر عن خل الثرى والكفان، وتفكر في البلا، وتذكر ذاك الرفاق فما بينك وبين هذه الآفات إلا أن تعاين الوفا وفات0

الفصل الثامن عشر
تذكر يا عامل يا من له قلبٌ ومات، يا من كان له وقت وفات، أشرف الأشياء قلبك ووقتك، فإذا أهملت قلبك وضيعت وقتك: فقد ذهبت منك الفوائد، أو كنت تبكي على ما فات فابكِ على وقتك:

وَيَبكي عَلى الموتَى ويَترُكُ نفسه ... ويزعَمُ أَنَّ قَد قَلَّ عَنها عَزَاؤُهُ
ولَو كانَ ذا رأىٍ وعقلٍ وَفِطنَةٍ ... لكانَ عَليهِ لا عَليهِم بُكَاؤُهُ
رُئى سمنون يوماً على شاطئ دجلة وبيده قضيبٌ يضرب به فخذه حتى تبدد لحمه وهو يقول: كان لي قلب أعيش به ضاع مني في تقلبه، رب فاردده على، فقد عيل صبري في تطلبه، وأغث ما دام لي رمقٌ يا غياثَ المستغاث به، ابكِ على وقت كان قد صفا، وعلى قلب صار كالصفا، وعلى زمان تبدل فيه الوصل بالجفا، وعلى ربع خلا من اليقظة وعفا:
منَازلَ كنتُ أَهواها وآلَفُهَا ... أَيَّامَ كُنتُ على الأَيَّام منصوراً
ما تتوفى في سمين بدنك حتى نسيت إدراجك في كفنك، ولا متعت نفسك بمواعيد المُنى إلا بعد أن أسرك حُب الهوى، أما وعظك الزمان من بسطه وقبضه؟ أما أجد لك بجديد بعد الاعتبار ببعضه، أما تدرك الحين من طوله وعرضه، يا عجباً كيف التذَّ حامل بغمضة؟ وكم طيل يوم ما أُدىَ بعض فرضه، أما تعلم أنَّ الممات والحساب أمامك فتهيأ للرحيل، وأصلح خيامك، واحفظ مقالتي واقطع قطع المدى مدامك، واجتهد أن تنشر الإخلاص في المحل إلا على أعلامك، وصل صلاتك في الدجى، واهجر للمنام منامك، ولا تترك ولو بت الليل عاصياً صيامك، وأحضر قلبك وسمعك، وإن قلا من لامك، وأفق في زمان الإمكان قبل انثات العرى غرامك، واقطع بسيف التقى كما يقطع الكلام كلامك، وإياك والفتور فإني أرى الدواء دوامك0

الفصل التاسع عشر
الفائزون لله در أقوام أقبلوا بالقلوب على مقلبها، وأقاموا النفوس بين يدي مؤدبها، وسلموها إذا باعوها إلى صاحبها، وأحضروا الآخرة فنظروا إلى غائبها، وسهروا الليالي كأنهم وُكِّلوا بِرَعىِ كواكبها، ونادوا أنفسهم صبراً على نار حطبها، ومقتوا الدنيا فما مالوا إلى ملاعبها، واشتاقوا إلى لقاء حبيبهم فاستطالوا مدة المقام بها0
إِذا كُنتَ قُوتَ النَفس ثُمَ هجرتُها ... فَكَم تلبَثُ النَفس التي أَنتَ قوتها؟
ستبقَى بقاء الضَبِ في الماءِ أَو كما ... يَعيشُ ببيداء المهامه حوتها
بعض العابدات كانت تقول: والله لقد سئمت الحياة حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقاً إلى الله وحباً للقائه، فقيل لها: على ثقةٍ أنت من عملك؟ قالت: لا والله؛ لحبي إياه وحسن ظني به، أفتراه يعذبني وأنا أحبه:
يا ناظرَ العينِ قُل هَل ناظرتَ عينِى ... إِليكَ يوماً وهَل تَدنُو مِنَ البين
اللَهُ يعلَمُ أَني بعدَ فُرقتُكُم ك ... طائرٍ سَلَبوهُ مِن الجنَاحَين
ولَو قدِرتَ ركبتَ الريح نحوَكُم ... فإِنَّ بُعدِى عَنكم قد حَنَا حين
لله در أرواح تشتاق إلى روح قربة، وتلتذ عند ابتلائه بوقع ضربة، ويطول عليها الزمان شوقاً إليه لحبه، إن سألت عن صفاتهم، فكل منهم مخلص لربه مجتهد في طاعته، خائف من عتبه، قائم على نفسه باستيفاء الحق منها على قلبه وأنشد:
كيفَ يقعُدُ رقيبٌ مُشتاقٌ بحركةٍ ... إِليكُم الخافقانِ الشوق والأَمل
فإِن نهضتَ فما لي غَيرُكُم وطر ... وإِن قعدتَ فما لي عِندَكُم شغل
لَو كانَ لي يَدٌ ما اخترتُ غيركُم ... فكيفَ ذاكَ وما لي غيركُم بدل
ولم تعرض الأَقوام بعدكم يستأ ... ذنونٌ على قَلبي فَما وصَلوا

الفصل العشرون
سارع إلى التوبة والإنابة أيها العبد: راقب من يراك على كل حال، وما زال نظره إليك في جميع الأفعال، وطهر سرك فهو عليم بما يخطر بالبال، المراقبة على ضربين، مراقبة الظاهر لأجل من يعلم، وحفظ الجوارح عن رذائل الأفعال، واستعمالها حذراً ممن يرى، فأما مراقبة الباطن فمعناها أدب القلب من مساكنة خاطر لا يرضاه المولى، وأجد السير في مراعاة الأولى، وأما مراقبة الظواهر فهي ضبط الجوارح عن رذائل الأفعال، واستعمالها في معالي الأعمال، فمن كان مقامه المراقبة فحال المحاسبة0 قال سرى: الشوق والأنس يرفرفان على القلب فكان هناك الإجلال والهيبة حلا ولا رحلاً، ومن ظهر الخشوع على قلبه دخل الوقار على جوارحه0 قال حاتم الأصم: إذا عملت فانظر نظر الله إليك، وإذا شكرت فاذكر علم الله فيك0

وقال أبو الفوارس الكرماني: من غض بصره عن المحارم وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنةِ، وعود نفسه أكل الحلال لم تخطئ، فله فراسة:
كانَ رَقيباً مِنكَ يَرعَى خواطِري ... وآخرٌ يَرعَى نَاظِرِي ولساني
فما نَظرَت عينايَ بعدك منظراً ... لعمرك إِلَّا قُلتَ: قَد رمقاني
وَلا بَدَرَت مِن فِيَّ بَعدَكَ لَفظَةً ... لِغيركَ إِلَّا قُلتَ: قَد رمقاني
وَلا خَطَرَت فِي ذِكرِ غيركَ خَطرَةً ... على القَلبِ إِلَّا عَرجَا بعنان
وَفتيان صِدقٍ قد سمِعتَ كَلامُهُم ... وعُفِّفَ عَنهُم خاطِري وجِناني
وَما الدَّهرُ أَسلاً عنهُم غيرَ أَنَني ... أَراكَ على كل الجهاتِ تراني

الفصل الحادي والعشرون
ابتعد عن المعاصي إِلى متى تميل إلى الزخارف، وإلى كم ترغب لسماع الملاهي المعازف، أما آن لك أن تصحب سيداً عارف، قد قطع الخوف قلبه، وهو على علمه كاكف، يقطع ليله قياماً، ونهاره صياماً، لا يميل ولا آنف، دائم الحزن، والبكاء متفرغٌ له، ومنه خائف، ومع ذلك يخشى القطيعة والانتقال إلى صعب المتالف، وأنت في غمرة هواك وعلى حب دنياك واقف، كأني بك وقد هجم عليك الحمام العاسف، وافترسك من بين خليلك وصديقك المؤالف، وتخلَّلى عنك حبيبك وقريبك ومن كنت عليه عاطف، لا سيتطيعون رَدَّ ما نزل بك، ولا تجد له كاشف، وقد نزلت بفناء من له الرحمة والإحسان واللطائف، فلو عاتبك لكان عتبه على نفسك من أخوف المخاوف، وإن ناقشك في الحساب، فأنت تألف، أين مقامك من مقام الأبطال يا بطال، يا كثير الزلل والخطايا، يا قبيح الفعال، كيف قنعت لنفسك بخساسة الدون يا معنون، وغرتك أمانيك بحب الدنيا يا مفتون، هلا تعرضت لأوصاف الصدق فاستحليت بها القالب الحق: (التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ) إلى متى أنت مريض بالزكام؟ ومتى تستنشق ريح قميص يوسف عليه السلام يا غلام؟ لعله يرفع عن بصيرتك حجاب العمى، وتقف متذللاً على باب إله الأرض والسماء، خرج قميص يوسف مع يهوذا من مصر إلى كنعان، فلا أهل القافلة علموا بريحه، ولا حامل القميص علم، وإنما قال صاحب الوجد: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ)، كل واحد منكم في فقد قلبه كيعقوب في فقد يوسف، فلينصب نفسه في مقام يعقوب، ويتحسر وليبك على ما سلف، ولا ييأَس، كيف طريق التحسس قطع مرحل الليل وركوب نجائب العزم إنضاء بعير الجسم ومصاحبة رفقة الندم والمستغفرين بالأسحار0

الفصل الثاني والعشرون
بعض ثمرات الطاعة إخواني: من أراد دوام العافية فليتق الله، ما أقبل مقبلٌ عليه إلا وجد كل خير لديه، ولا أعرض معرض عن طاعته إلا وتعثر في ثوب غفلته:
واللَهِ ما جِئتُكُم زَائِراً ... إِلَّا الأَرضُ تُطوى لي
وَلا انثَنَى عَزمي عَن بابِكُم ... إِلَّا تَعَثَّرَت بأَذيالي
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال ربكم عزَّ وجل: لو أنَّ عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أُسمعهم صوت الرعد)0 قال أبو سليمان الداراني: من صفا صفا له، ومن كدر كُدر عليه، ومن أحسن في ليله كفى في نهاره0 وقال الفضيل بن عياض: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي0 فيامن من يريد دوام العيش على البقاء، دم على الإخلاص والنقاء، وإياك والمعاصي، فالعاصي في شقاء المعاصي، والمعاصي تذل الإنسان وتخرس اللسان، وتغير الحال المستقيم، وتحمل الاعوجاج مكان التقويم0 قال يحيى بن أبي كثير: لما أصاب داود الخطيئة نفرت الوحوش من حوله، إلهى رد على الوحوش كي أستأنس بها، فردها الله عليه، فأحطن به واصطففن إليه فرفع صوته بقرآنه الزبور، فنادته هيهات هيهات يا داود قد ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك، فكان يقول: بح صوتي في صفا أصوات الصديقين، وأصبحت كالبازي المنتف ريشه يرى حسران كلما طار طائرٌ:
يَرى طائِراتُ الجَوِ يَخفِقنَ فِى الهَوىَ ... فيذكر رِيشاً مِن جناحيهِ وافر
وَقد كانَ دَهراً في الرِّيَاضُ مُنَعَّماً ... عَلى كُلِ من يهوى مِن الصَّيدِ قادر

إِلى أَن أَصابتهُ مِن الدهر نَكبَةً ... فأَصبحَ مَقصوصَ الجناحينِ حاسر
مَضى السابِقونَ الأَوَّلون لفورهم ... وقصَّرت في أَمري وإِني لخاسر

الفصل الثالث والعشرون
الصلاة اعلموا - إخواني - أن الله عز وجل قد قدر الصلوات وقدمها على غيرها من العبادات، وإنما يحافظ عليها من يعرف قدرها، ويرجو أجرها، ويخاف العقاب على تركها، وهذه صفة المؤمن، وإنما يتوانى عنها ناقص الإيمان إن تكاسل، وكافر إن تهاون0 وقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)0 وروى في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليك بكثرة السجود فإِنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة)0 وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جعلت قرة عيني في الصلاة)0 وقد كان لله عز وجل عباد يحبون خدمته لشدة محبتهم إياه فيحضرون في الصلاة قلوبهم ويجمعون لأدائها هممهم0 وروى عن ابن الزبير أنه كان إذا قام في الصلاة فكأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فتنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جزعاً أو حائطاً أو وجه حجر أو رحل فدقه وهو في الصلاة فذهبت ببعض ثوبه فما التفت، وكان إذا دخل بيته سكت أهل البيت، فإذا قام إلى الصلاة تحدثوا وضحكوا0 واعلموا - إخواني - أن من أحب المخدوم أحب الخدمة له، لو عرف العبد من يناجى، لم يقبل على غيره، والصلاة صلة بين العبد وبين ربه0 الستر الأول: الأذان، كالإذن في الدخول0 وستر التقريب الإقامة: فإذا كشف ذلك الغطاء لاح للمتقي قُرة العى، فدخل في دائرة دار المناجاة (أَرحنا بها يا بلال)، فقد (جعلت قرة عيني في الصلاة) اكشف يا بلال ستر التقريب عن الحبيب0 يا بطَّال: لو سافرت بلداً لم تربح فيه حزنت على فوات ربحك وضياع وقتك، أفلا يبكي من دخل في الصلاة على قرة العين ثم خرج بغير فائدة0
يُصلي فيُرسِلُها كالطيور ... إِذا أَرسلتَ من حصار القفص
يقومُ ويُقعَدُ مُستَعجِلاً ... كمِثلِ الطَروبِ إِذا مَا رَقَصَ
إخواني لا تقنعوا بالحركان، فإن الله لا ينظر إلى صوركم0 يا هذا: إنما يصاد الطائر بمحبوبه من الحب، ومحبوب القلب الطاهر ذكر الله عز وجل، فحرام على قلبك، على قلبك الحائم حول جيف الهوى، القِ له حب الذكر على فخ الصدق في حديقة الصور لعله يقع في شبكة المعرفة0

الفصل الرابع والعشرون عُد إلى ربك
أيها العبد: تناه عن قبيح فعلك قبل انبثاث جهلك، وانظر لنفسك في أمرك قبل حلولك في قبرك0 كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل0 ووعظ أعرابي ابنه، فقال: لا الدهر يعظك، ولا الأيَّام تنذرك، والساعات تعد عليك، والأنفاس تعد منك، أحب أمريك إليك أردهما بالمضرة عليك0 ووجد على حجر مكتوب: ابن آدم، لو رأيت ما بقى من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في الزيادة في عملك، ولقصَّرت من جهلك وحيلك، وإنما يلقاك ندمك إذا زلت قدمك، وأسلمك أههلك وحشمك، وباعدك الولد القريب، ورفضك الولد والنسيب، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد فاعمل ليوم القيامة0 قبل الحسرة والندامة0 وقف قوم على راهب فقالوا: إنَّا سائلوك، أفمجيبنا أنت؟ فقال: لا تكثروا فإنَّ النهار لم يرجع، والعمر لن يعود، والطالب حثيث في طلبه، ذو اجتهاد، فقالوا: ما على الخلق غداً عند مليكهم؟ قال: على نياتهم، قالوا: فأني الموئل؟ فقال: إلى المقدم، قالوا: فأوصنا، قال: تزودا على قدر سفركم، فإن خير الزاد ما بلغ البغية0 يا هذا: لا تجزع لرؤية ملك الموت، وائت وأنت تشاهد فيها عملك، عمرك قليل، وقد ضيعت أكثره، فكيف شعورك في البقية، ولعل هذا اليوم الآخر، والليلة الأخيرة ما أرخص ما يباع عمرك، وما أغفلك عن السرى، إنما المرض نهاية الصحة، والفراق قرين الوصلة، والأيام ترحل، ولا بد من مسة بدن والحبيب مفارِقٌ أو مُفَارَقٌ، والمرء رهن مصائب0

الأيَّام تنقضي حتى يوارى جسمه في رمسه فمؤجل يلقى الردى في غيره، ومعجل يلقى الردى في نفسه، الدنيا لمن فهم، قنطرة العبور وسوق التزود ومتطهرة التنظيف وزرعت للحصاد، فأما للعاقل فهي مفرقة المجامع، ومحزنة الربوع، ومجرية الدموع، من نال من دنياه أمنيته أسقطت الأيام منها الإلف، اطلب فيها قدر بلغتك، وخذ مقدار حاجتك خصها خصوص المسافر في طلب علف بعيره، اطلب الدنيا قدر الحاجة، واطلب الآخرة على حسب الطاقة، هذا ولو أنك بلغت إلى الحمى التوكل لاستراح قلبك، وغذاك الله كما يغذي الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً0

الفصل الخامس والعشرون
احذر الغفلة قال الله عز وجل: (وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى، فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى)0 فإن اختلف المفسرون في المراد بمقام ربه على قولين: أحدهما: إنه قيام العبد بين يدي ربه يوم الجزاء0 والثاني: إنه قيام الله تعالى عباده فأحصى ما اكتسب، والمراد بالهوى ههنا، ما يهوى العبد من المحارم، فيذكر مقامه للحسنات، واعلم: أن من تفكر عند إقدامه على الخطيئة في نظر الحق إليه رده فكره خجلاً مما هم به، فالناس في ذلك على مراتب فمنهم من يتفكر عند جولان الهم بالذنب فيستحي من مساكنة ذلك الخاطر، وهذا مقام أهل الصفا، ومنهم من قويت أسباب غفلته فهو ساكن ذلك الهم إلا أنه لا يعزم عليه، ومنهم من يعزم لقوة غفلته، فهو يستسقي إقدامه فيما عزم عليه، ومنهم من زاد على ذلك بمقارنته المحظور ومداناته، ثم تدركه اليقظة، وإنما يكون هذا على مقدار تكاثف الغفلة وقلتها، فيفكر عند خاطره في عظمته من قد علم، وعند يقظه في جلال من قد سمع، وعند فعله في عزة من قد رأى، وهذا الفكر إنما نبت عن إصرار راسخ من الإيمان في القلب راعاه الحق إليه حذار علته ومعاملة صادقة في الخلوة، إلا أن الغفلة عن التذكرة والسعي على جادة الهوى غشى على القلب، وران عليه فإذا هم بخطيئة أو قاربها اقتلب مراعاة الحق إليه، خذ مراعاته بحق الحق قبل ذلك كما قال الله عز وجل: (فَلَولا أَنَّهُ كَانَ مِن المُسَبِّحِينَ)، وقال: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً)، وكما جاء في الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)0 فما ينفر طائر قلبه من وسخ العزم على الذنب ثم عام في بحر الحياة خجلاً مما هم به يخرج نقياً بعد الوسخ طاهراً بعد النجس، لأن الأصل محفوظ بالصدق ومرهون بالإيمان، ولولا لطف الحق لكشف حجب الغفلة لبراقع الذنب، غير أنه أراه برهان الهدى فرجع، وأقام له هاتف التقوى فخشع، والقلوب تحن إلى ما اعتادت وألفت، وتنازع إلى ما مرنت عليه وعرفت0 أما سمعت قول عمر بن أُبىَّ:
بَينَما نَحنُ في ولادِكَ فالقاعُ ... سِراعاً والعيشُ يهوى هوياً
خَطَرت خطرَةً عَلى القلبِ مِن ... ذِكراكَ وهُنا فما أَطقت مضياًّ
قُلتُ للشوقِ إِذا دعاني ... لبيك وللحاديين ردُّوا المطيَّا
أثارَهُم بعدَهُم وما صَنعوا ... تخبرنا أُئُناً لَهُم تيعُ
يا واقِفاً بالدِّيارِ مُكتَئباً ... يندِبُ قَوماً مَن مَلكهم نُزعوا
ادخل إِلى الدارِ فهيَ خاليةٌ ... مِن سادة في التُراب قَد وضَعوا
إِذا تأَملتُهُم كأَنَهُم ما ... نَظَروا نَظرةً ولا سمعوا
ولا جرى بينهم مذاكرة ... ولا لنصر سعوا ولا نفعوا
كانوا كركب خطور رحالهم ... فما استَراحوا حتَى لَها رجَعوا
تم كتاب الياقوتة على التمام والكمال، والحمد لله وحده وصلى الله عليى سيدنا محمد وآله وسلم